محمد متولي الشعراوي
1756
تفسير الشعراوى
يا إبراهيم لمحزونون ) « 1 » . ولا نقول لحظة الانفعال ما يسخط الرب . بل انفعال موجّه ، والغيط يحتاج إليه المؤمن حينما يهيج دفاعا عن منهج اللّه ، ولكن على المؤمن أن يكظمه . . أي لا يجعل الانفعال غالبا على حسن السلوك والتدبير . والكظم - كما قلنا - مأخوذ من أمر محس . مثال ذلك : نحن نعرف أن الإبل أو العجماوات التي لها معدتان ، واحدة يختزن فيها الطعام ، وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل مثلا ، إنه يجتر . ومعنى : يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الإضافية ويمضغه ، هذا هو الاجترار . فإذا امتنع الجمل عن الاجترار يقال : إن الجمل قد كظم . والحق سبحانه يقول : « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ » . وقلنا : إن هناك فرقا بين الانفعال في ذاته ، فقد يبقى في النفس وتكظمه ، ومعنى كظم الانفعال : أن الإنسان يستطيع أن يخرجه إلى حيز النزوع الانفعالي ، ولكنّه يكبح جماح هذا الانفعال . أما العفو فهو أن تخرج الغيظ من قلبك ، وكأن الأمر لم يحدث ، وهذه هي مرتبة ثانية . أما المرتبة الثالثة فهي : أن تنفعل انفعالا مقابلا ؛ أي أنك لا تقف عند هذا الحد فحسب ، بل إنك تستبدل بالإساءة الإحسان إلى من أساء إليك . إذن فهناك ثلاث مراحل : الأولى : كظم الغيظ . والثانية : العفو . والثالثة : أن يتجاوز الإنسان الكظم والعفو بأن يحسن إلى المسىء إليه . وهذا هو الارتقاء في مراتب اليقين ؛ لأنك إن لم تكظم غيظك وتنفعل ، فالمقابل لك أيضا لن يستطيع أن يضبط انفعاله بحيث يساوى انفعالك ، ويمتلئ تجاهك بالحدة والغضب ، وقد يظل الغيظ ناميا وربما ورّث أجيالا من أبناء وأحفاد . لكن إذا ما كظمت الغيظ ، فقد يخجل الذي أمامك من نفسه وتنتهى المسألة . « وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ » مأخوذة من « عفّى على الأثر » والأثر ما يتركه سير الناس
--> ( 1 ) رواه البخاري في الجنائز ، ومسلم في الفضائل ، وابن ماجة في الجنائز ورواه أحمد في المسند .