محمد متولي الشعراوي

1752

تفسير الشعراوى

إن الحق يقول : « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » أي : خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة ، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا ، إياك أن تؤجل عملا من أعمال الدين أو عملا من أعمال الخير ؛ لأنك لا تعرف أتبقى له أم لا . فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة ، هذا هو المعنى الذي يأتي فيه الأثر الشائع « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » . الناس تفهمها فهما يؤدى مطلوباتهم النفسية بمعنى : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا : يعنى اجمع الكثير من الدنيا كي يكفيك حتى يوم القيامة ، وليس هذا فهما صحيحا لكن الصحيح هو أن ما فاتك من أمر الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلا وتأخذه غدا ، أمّا أمر الآخرة فعليك أن تجعل به . « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » ونحن نعرف أن المساحات لها طول وعرض ، لأن الذي طوله كعرضه يكون مربعا ، إنما الذي عرضه أقل من طوله فنحن نسميه « مستطيلا » ، وحين يقول الحق « عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » نعرف أن العرض هو أقل البعدين ، أي أنها أوسع مما نراه ، فكأنه شبّه البعد الأقل في الجنة بأوسع البعد لما نعرفه وهو السماوات والأرض ملتصقة مع بعضها بعضا فأعطانا أوسع ممّا نراه . فإذا كان عرضها أوسع ممّا نعرف فما طولها ؟ أنه حد لا نعرفه نحن . قد يقول قائل لماذا بيّن عرضها فقال : « عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » . فأين طولها إذن ؟ ونقول : وهل السماوات والأرض هي الكون فقط ؟ إنّه سبحانه يقول : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ( من الآية 255 سورة البقرة ) ويقول صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ما السماوات والأرض وما بينهما إلا كحلقة ألقاها ملك في فلاة ) . أليست هذه من ملك اللّه ؟ وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أعدت للمتقين ، ومعنى « أعدت » أي هيئت وصنعت وانتهت المسألة ! يؤكد ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول :