محمد متولي الشعراوي
1743
تفسير الشعراوى
الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب فقد استطاع أن يستخلص من هذه النقلة مبادئ إيمانية عقدية لو أن المسلمين في جميع بقاع الأرض جعلوها نصب أعينهم لما كان لأي دولة من دول الكفر غلب علينا . ونريد أن نفهم هذه اللقطات ، ولماذا استهلت بمسألة الربا ؟ لأن الذي كان سببا في الهزيمة أو عدم النصر في معركة أحد أنهم طمعوا في الغنيمة . والغنيمة مال زائد ، والربا فيه طمع في مال زائد . والقرآن حين يعالج هنا قضية حدثية ، والأحداث أغيار تمر وتنتهى ، فهو سبحانه يريد أن يستبقى عطاء الحدث ليشيع في غير زمان الحدث ، وإلا فالحدث قد يمر بعظاته وعبره وينتهى ولا تكون له فائدة . والنفس حين تمر بالأحداث تكون ملكاتها متفتحة ؛ لأن الحدث - كما قال المغفور له الشيخ سيد قطب - يكون ساخنا ، فحين يستغل القرآن الحدث قبل أن يبرد فإن القضية التي تتعرض لها الموعظة تتمكن من النفس البشرية . وهو سبحانه لم يرد أن تمر أحداث أحد بما فيها من العبر والعظات إلا ويستغلها القرآن الكريم ليثبت بها قضايا إيمانية تشيع في غير أزمنة الحدث من الحروب وغيرها لتنتظم أيضا وقت السّلام . فآية الربا هنا كأنما سقطت وسط النصوص التي تتعرض لغزوة أحد . والسطحيون قد يقولون : ما الذي جعل القرآن ينتقل من الكلام عن أحد إلى أن يتكلم في الربا مرة ثانية بعد أن تكلم عنه أولا ؟ ونقول : إن القرآن لا يؤرخ الأحداث ، وإنما يريد أن يستغل أحداثا ليبسط ويوضح ما فيها من المعاني التي تجعل الحدث له عرض وله طول وله عمق ؛ لأن كل حدث في الكون يأخذ من الزمن قدر الحدث ، والحدث له طول هو قدر من الزمن ، يكون ساعة أو ساعتين أو ليلة مثلا ، هذا هو طول الحدث . والأحداث التي يجريها اللّه لها طول يحدده عمر الحدث الزمنى ، ولها عرض يعطيها الاتساع ، فبعد أن كانت خطا مستقيما صارت مساحة ، ويجعلها الحق شاملة لأشياء كثيرة ، فهو لا يريد للحدث أن يسير كخط مستقيم ، بل يريده طريقا واسعا له