محمد متولي الشعراوي

1737

تفسير الشعراوى

وقطع الطرف يتحدد بمعرفة ما هو طرف لماذا ؟ فإن كان الطرف هو العدد الكثير فقطع الطرف أن يقتل بعضه . وإن كان الطرف هو أرضا واسعة فقطع الطرف أن يأخذ من أرضهم . ولذلك يقول الحق سبحانه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) ( سورة الرعد ) لقد كانت الأرض الكفريّة تخسر كل يوم جزءا منها لينضم هذا الجزء إلى الأرض الإيمانية ، هذا بالنسبة لسعة الأرض ، وافرض أن الطرف هو المال ، فقطع الطرف هنا يكون بأن نأخذ بعض المال كغنائم ، ثم هناك المنزلة التي كانت تهابها الجزيرة كلها ، كل الجزيرة تهاب قريشا ، وقوافلها التجارية للشمال والجنوب لا تستطيع قبيلة أن تتعرض لها ؛ لأن كل القبائل تعرف أنها ستذهب إلى البيت في موسم الحج ، فلا توجد قبيلة تتعرض لها لأنها غدا ستذهب إلى قريش ، إذن فالسيادة والعظمة كانت لقريش ، وساعة تعلم القبائل أن رجال قريش قد كسروا وانهزموا ، وأن رحلتهم إلى الشام أصبحت مهددة ، فإنهم يبحثون عن فريق آخر يذهبون إليه . إن قطع الطرف كان على أشكال متعددة ، فإن كان طرف عدد فيقتل بعضهم ، وإن كان طرف أرض فبعضها يؤخذ وتذهب إلى أرض إيمانية ، وإن كانت عظمة وقهرا تأتهم الهزيمة ، وإن كان نفوذا في الجزيرة فهو يتزلزل « لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » . ولنلحظ أن الحق قد قال : « لِيَقْطَعَ طَرَفاً » - لم يقل ليستأصل - لأن اللّه سبحانه وتعالى أبقى على بعض الكفار لأن له في الإيمان دورا ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ممتلئا بالعطف والرحمة والحنان على أمته ، وكان يحسن الظن باللّه أن يهديهم ، ولذلك تعددت آيات القرآن التي تتحدث في هذا الأمر . ها هو ذا الحق يقول : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) ( سورة الكهف )