محمد متولي الشعراوي

1717

تفسير الشعراوى

لذلك يقول الحق : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) ( من الآية 134 سورة آل عمران ) وهو سبحانه القائل : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ( من الآية 126 سورة النحل ) إذن فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحدا على خطأ ، وذلك لأنه خلق الخلق وعليم بهم ، ولا يمكن أن يصادم طباعهم ، وذلك حتى لا يتهدد المؤمن في إيمانه فيما بعد ، فالمؤمن لو ترك حقوقه فإن الكفار سيصولون ويجولون في حقوق المسلمين ؛ ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب حتى على المؤمن المخطئ ، وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من حقوق اللّه . والمؤمن أيضا مطالب بأن يرتقى بعقابه ، فهو إما أن يعاقب بمثل ما عوقب به ، وإما أن يرتقى أكثر ، ويستمع لقول الحق : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( من الآية 126 سورة النحل ) لقد وضع الحق منهج الارتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في توقيع العقاب قصاصا ، وهكذا لم يقسر اللّه طبع الإنسان ولو أراد سبحانه ذلك لما خلق هذا الطبع إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك انفعالا بالغيظ ، وأن المؤمن عليه أن يحاول كظم الغيظ أي لا يعبر عن الغيظ نزوعيا ، فإن أخرج المؤمن هذا الأمر من قلبه فمعناه أنه قد برئ وشفى منه وارتقى . إذن فكظم الغيظ هو ألا يعبر المؤمن عن الغيظ نزوعيا ، فإن سبّك أحد فأنت لا تسبّه ، وهذا الكظم يعنى كتمان الانفعال في القلب ، فإذا ارتقى المؤمن أكثر وتجاهل حتى الانفعال بذلك ، فإنه يخرج الغيظ من قلبه ، وهو بذلك يرتقى ارتقاء