محمد متولي الشعراوي
1718
تفسير الشعراوى
أعلى ، ويصفه الحق بأنه دخول إلى مرتبة الإحسان ، فهو القائل : « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة . فماذا يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في المرحلة الأولى وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت الانفعال من قلبك ، وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي تمثل قمة الإيمان إنها الإحسان . . « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » لابد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه ويندم على ما فعل . إن الإسلام لم يتجاهل المشاعر الإنسانية عندما طالب المؤمنين أن يحسنوا لمن أساء إليهم ، فالذي يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن الإسلام قد أعطى المؤمن الحق في الطبع البشرى حين قال : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » ولكنه ارتقى بالمؤمن . وعندما ننظر إلى هذا الأمر كقضية اقتصادية وتحسبها ب « منه » و « له » فسنجد أنّ المؤمن قد كسب . . ومثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - ساعة يجد الأب ابنا من أبنائه قام بظلم أخ له فإن قلب الأب يكون مع المظلوم . فهب أن إنسانا أساء لعبد من عباد اللّه فإن اللّه كربّ مربّ يغار له ونحن نعرف أن واحدا قال لعارف باللّه : أتحسن لمن أساء إليك ؟ فقال العارف باللّه : أفلا أحسن لمن جعل اللّه في جانبي ؟ ولنعد الآن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين ، إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه المؤمن يحب له الإيمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلى من الحقد ، وبسبب هذا الأمر يكاد يفقد صوابه ؛ لذلك يقول الحق : « وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ » . و « خلوا » المقصود بها . أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم مسلم أعلنوا الغيظ من المؤمنين ، ولقد فعلوا هذا الأمر - عض الأنامل من الغيظ - في غيبة الإيمان والمؤمنين باللّه ، لو كان عند هؤلاء الكافرين ذرة من تعقل لفكروا كيف فضحهم القرآن ، وهم الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيدا عن المؤمنين ؟