محمد متولي الشعراوي

1666

تفسير الشعراوى

فيقول : إياك أن تظن أن المشقة التي تصيبك حين تفعل خيرا لا تعود عليك بالراحة ، أو أن النقص الذي تفعل به الخير لا يعود عليك بالكمال ، فمثلا الإنسان الذي فلح الأرض وأخرج « كيلة » من القمح وبذرها فيها . هذا الإنسان قد تكون له زوجة حمقاء تقول له : إننا لا نملك إلا أربع « كيلات » من القمح فكيف تأخذ « كيلة » لترميها في الأرض ، إن هذه المرأة لا تعرف أن « الكيلة » التي أخذها الزوج هي التي ستأتي بعدد من الأرادب من القمح . فإياك أن تفهم أن الإسلام يأخذ منك شيئا إلا وهو يريد أن يعطيك أشياء . إن الفلاح الذي يشقى بالحرث وبالري ، وتراه وقد علا جبهته العرق وتراب الأرض وتغوص أقدامه في الطين والمياه ، إنك تراه يوم الحصاد وهو فرح مسرور بغلته . أما غيره الذي لم يشق بالحرث ولم تعل جبهته حبات العرق ، فيأتي في هذا اليوم وهو حزين ونادم . فإياك أن تنظر إلى تكاليف الدين على أنها أمور تحرمك النفع ، إنّها أمور تربّب لك النفع أي تكثر لك النفع . وإياك أن تظن أن حكما من أحكام اللّه قد جاء ليجور على حريتك بل جاء ليمنع عنك اعتداء الآخرين . وقلنا من قبل : إن الشرع حين كلف كل إنسان ألا يسرق مال أحد ، فهو تقييد من أجل حفظ أموال الملايين ، وهو أمر ضمني لكل الناس ألّا يسرقوا شيئا من هذا الإنسان ، وهنا نجد الأمان ينتشر بالإيمان بين الجميع . ولو نظرت إلى ما منع الدين الناس أن يمارسوه معك لعرفت قيمة التكاليف الإيمانية . إن التكليف حين يأمر ألا يمد أحد عيونه إلى محارم جاره ، هذا التكليف صادر للناس جميعا حتى يحمى اللّه لك محارمك من عيون الناس ، لقد قيّد التكليف حرية الآخرين من أجلك وهم كثيرون ، وقيد حريتك من أجل الآخرين وأنت واحد . . إذن فيجب أن نذكر أن كل تكليف يعطى صلاحا وفلاحا ، فالأرض تأخذ الحبة ، وتعطيك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فلا تنظر إلى ما أخذه التكليف من حريتك ، لأنه أخذ لك من حريات الآخرين أيضا . ولا تقل : إن التكليف قد نقص حركتي لنفسي ، لأنه سيعطيك ثمرات أكثر مما أفقدك .