محمد متولي الشعراوي

1659

تفسير الشعراوى

استطاعتك أو لا ، وساعة يكون الأمر خارجا عن استطاعتك فاللّه هو الذي يخفف عنك . ولذلك فعلى الإنسان ألا يستخدم القول الحق : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ( من الآية 286 سورة البقرة ) في غير موضعه ؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقدر الوسع ، ثم يبنى التكليف على الوسع . بل عليك أن تفهم أيها الإنسان أن اللّه هو الذي خلق النفس ، وهو الذي أنزل التكليف لوسع النفس ، وما دام الخالق للنفس هو اللّه فهو العليم بوسع النفس حينما قرر لها المنهج . إنه سبحانه الذي كلف ، وهو العليم بأن النفس قد وسعت ، ولذلك فهو لا يكلف نفسا إلا وسعها . فإن كان سبحانه قد كلف فأعلم أيها العبد أنه سبحانه قد كلف بما في وسعك ، وعندما يحدث للإنسان ما يشق عليه أو يمنعه من أداء ما كلف به تامّا فهو - سبحانه - يضع لنا التخفيف وينزل لنا الرخص . مثال ذلك : المريض أو الذي على سفر ، له رخصة الإفطار في رمضان ، والمسافر له أن يقصر الصلاة . إذن فاللّه سبحانه هو الذي علم حدود وسع النفس التي خلقها ، ولذلك لا تقدر وسعك أولا ثم تقدر التكليف عليه ، ولكن قدّر التكليف أولا ، وقل : ما دام الحق قد كلف فذلك في الوسع . وفي تذييل الآية الكريمة بقوله : « وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » نجد أنفسنا أمام نهى عن فعل وهو : عدم الموت إلا والإنسان مسلم . كيف ذلك ؟ أيقول لك أحد : لا تمت ؟ إن ذلك الأمر ليس لك فيه اختيار ؛ لأنه أمر نازل عليك . فإذا قيل لك : لا تمت ، فإنك تتعجب ؛ لأن أحدا لا يملك ذلك ، ولكن إذا قيل لك : لا تمت إلا وأنت مسلم ، فأنت تفكر ، وتصل بالتفكير إلى أن الفعل المنهى عنه : لا تمت ليس في قدرة الإنسان ، ولكن الحال الذي يقع عليه الفعل وهو : إلا وأنت مسلم ، في قدرة الإنسان ؛ لذلك تقول لنفسك : إن الموت يأتي بغير عمل منى ، ولكن كلمة : إلا وأنت مسلم ، فهي باستطاعتى ، لأن الإسلام يكون باختيارى . صحيح أنك لا تعرف متى يقع عليك الموت ؟ ولذلك تحتاط والاحتياط يكون بأن تظل مسلما حتى يصادفك الموت في أي لحظة وأنت مسلم .