محمد متولي الشعراوي

1650

تفسير الشعراوى

هو خبرتهم بالحرب ؛ فلهم قلاع وحصون . هكذا كان لليهود ثلاثة أسباب للتميز : المال يحقق الزعامة الاقتصادية ، والعلم . . بالكتاب وهو تفوق علمي ، ثم خبرتهم بفنون الحرب ، وكانوا فوق ذلك يحاولون إيجاد الخلاف بين الناس وتعميقه . مثل محاولتهم إثارة العداوات بين الأوس والخزرج . والمتاجرة بذلك حتى تظل الحروب قائمة ، وبذلك يضمنون رواج تجارة الأسلحة التي يصنعونها ويمدون بها كل فريق من المتحاربين . ولما جاء الاسلام وحّد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بين الأوس والخزرج وبذلك ضاع منهم التفوق الاقتصادي . وجاء الاسلام بدين وكتاب مهيمن على الكتب ، فضاعت من اليهود المنزلة العلمية . وكذلك ضاعت من اليهود المنزلة الحربية ؛ فقد رأوا قلة من المؤمنين هزموا الكفار وأنزلوا بهم هزيمة نكراء في بدر ، وهكذا ضاع كل سلطان لليهود في المدينة ، لذلك أرادوا أن يعيدو الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يجئ الإسلام ، فقالوا فلنؤجج ونشعل ما بين الأوس والخزرج من العداوات ونهيجها ، وقال شخص اسمه « شأس بن قيس » وقد رأى نور الإيمان يعلو وجوه الأوس والخزرج ويشملهم الانسجام الإيمانى . وتوجد بينهم المودة وابتسامات الصفاء ، هيّج ذلك شأس بن قيس وقال : « واللّه لا بد أن نعيدها جذعة ونرجعهم إلى ما كانوا عليه من أحقاد وعداوات ، فلا استقرار لنا ما داموا قد اجتمعوا » . فأرسل فتى من اليهود وجلس بين الأوس والخزرج ، ثم تطرق الحديث منه إلى يوم يسمى يوم « بعاث » ، وهو اسم يوم من أيام العرب قبل الإسلام ، وكان بين الأوس والخزرج ، وكان النصر فيه للأوس على الخزرج ، وجلس الفتى اليهودي يذكر ويأتي بالشعر الذي قيل في هذا اليوم فهيّج حمية الأوس والخزرج وحدث النزاع ، وحصل التفاخر واستيقظ التباغض ، وقالوا : « السلاح . . السلاح » وهكذا نجحت المكيدة ، ونمى الخبر إلى سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقام صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه صحابته ، حتى انتهوا إلى اجتماع الأوس والخزرج ، فوجدوا الحال على أشد درجات الهياج ، نزاع ، وتباغض ، وسلاح محمول ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ! !