محمد متولي الشعراوي
1651
تفسير الشعراوى
أي كان من الواجب أن تخجلوا من أنفسكم ؛ لأن رسول اللّه بينكم ، وأضاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لقد أكرمكم اللّه بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، وألف بين قلوبكم ، فماذا كانت مواقع كلمات الرسول في نفوس القوم ؟ لقد دفعتهم كلماته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى إلقاء السلاح ، وبكوا وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم . وعندما نتأمل ما فعله هؤلاء القوم من اليهود لإشعال الفتنة بين الأوس والخزرج نجد أنهم قد أدركوا طبيعة النزاع القديم بين الأوس والخزرج فأرادوا أن يهيجوا تلك العداوات والأحقاد القديمة ، وكذلك نجد أن تهييج المشاعر بين الأوس والخزرج جعل للانفلات بابا فكاد القتال يشتعل ، وعندما تكلم فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هدأت المواجيد ، وألقوا السلاح ، وندموا على ما فعلوا . وإذا أردنا أن نرى الأمر بعمق التصور لما حدث فإننا نجد أن إدراك العداوة بين الأوس والخزرج من اليهود هو الذي دفع اليهود لتحريك هذا الإدراك الخاطئ وإحياء الثارات القديمة ، ثم كان انفعال الأوس والخزرج بتلك الثارات القديمة قد فتح الباب لحمل السلاح للاقتتال . وهكذا نجد أن الإدراك للشئ ، يمر بثلاث مراتب : أولا : الإحساس بالشئ ، ثانيا : انفعال النفس له ، ثالثا ؛ النزوع السلوكى ، وعندما تحدث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، أدرك الأوس والخزرج الأمر بطريقة عكسية فألقوا السلاح ، وهدأت مواجيد البغضاء ، وتركوا الإدراكات الخاطئة . لقد ذكرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بثلاثة أشياء هي : « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم اللّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية . وألف بين قلوبكم » . وقد استقبلوا ذلك بإلقاء السلاح أولا ، ثم البكاء ثانيا ، وهو أمر حركته المواجيد فيهم ثم تعانقوا أي صححوا الإدراكات ثالثا ، وهكذا حدث النزوع بالعكس . ولما حدث ذلك أصاب اليهود الغيظ والخيبة والنكد . وقال المؤرخ لهذه القصة : فما كان يوم في الإسلام أسوأ أولا وأحسن آخرا إلّا ذلك اليوم .