محمد متولي الشعراوي

1335

تفسير الشعراوى

أن يروى واقعة شهدها بعينيه ، وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلامه أبدا ، مهما تكرر القول ؛ أو عدد مرات الشهادة . لكن إن كانت الواقعة كذبا ، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه ، فيروى الواقعة بألوان متعددة لا اتساق فيها ، وقد ينسى الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الأولى ، وهكذا ينكشف سر الكذب . لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق ، هو الذي يحكى ، وهو الذي لا تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق . فعندما نقول : « إن زيدا مجتهد » ، فهذا يعنى أن اجتهاد زيد قد حدث أولا ، ثم يأتي في ذهن من رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده ، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد . إن الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولا ، وبعد ذلك تأتى النسبة الذهنية ، وبعد ذلك تأتى النسبة الكلامية . ولكن الإنشاء وهو ضد الخبر ، هو أن نطلب من واحد أن ينشئ أمرا لا واقع له ، كأن نقول لواحد : اجتهد . إننا قبل أن نقول لإنسان ما : « اجتهد » فمعنى ذلك أن الاجتهاد كان أمرا في ذهن القائل ، وعندما ينطقها تصبح « نسبة كلامية » . وبعد ذلك يحدث الواقع ، بعد النسبة الذهنية ، والنسبة الكلامية ، وهذا هو الإنشاء . إن الإنشاء الطلبي يعنى أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلامية . والصادقون هم الذين أراد اللّه أن يمدحهم ، لماذا ؟ وأين هو مجال صدقهم ؟ إنهم الذين تتطابق حركتهم مع منهج اللّه ؛ لأنهم حين قالوا : « لا إله إلا اللّه » ، وآمنوا به ، فهم قد التزموا بكل مطلوبات الإيمان قدر الطاقة . ومعنى « لا إله إلا اللّه » أي لا معبود إلا اللّه . ومعنى لا معبود إلا اللّه أي أنه لا طاعة إلا للّه . والطاعة - كما نعرف - هي امتثال أمر ، وامتثال نهى . إذن فمجال « لا إله إلا اللّه » يشمل أنه لا معبود بحق إلا اللّه ، ولا مطاع في تكليفه إلا اللّه ، ولا امتثال لأمر أو لنهى إلا للأمر القادم من اللّه ؛ فإن امتثل إنسان الأمر من اللّه بعد قوله : « لا إله إلا اللّه » كان هذا الإنسان صادقا في قوله : « لا إله إلا اللّه » . وهذا هو صدق القمة ، أن تكون كل تصرفات قائل : « لا إله إلا اللّه » متطابقة