محمد متولي الشعراوي

1638

تفسير الشعراوى

وزمزم التي توجد في حضن الكعبة ، أليست آيات بينات ؟ إن « هاجر » تترك الكعبة وتروح إلى « الصفا » وتصعد إلى « المروة » بعد أن تضع « إسماعيل » بجانب الكعبة ، وتدور بحثا عن المياه . وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيرا أو تجد إنسانا يعرف طريق المياه لأن ابنها يحتاج إلى الشرب ، ولو أنها وجدت على الصفا أو المروة مياها في أول سعيها أكانت تجد تصديقا لقولها لإبراهيم عندما جاء بها للإقامة في هذا المكان « إن اللّه لا يضيعنا » إنها سعت . وكأن اللّه يقول لها ولكل إنسان : عليك بالسعي ، ولكن لن أعطيك من السعي ، إنما أعطيك الماء من تحت رجل إسماعيل . إذن فصدقت في قولها : لن يضيعنا اللّه ، لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة أشواط ، ولا يمكن لامرأة في مثل عمرها أن تقدر على أكثر من ذلك ، وهذا يعلمنا أن الإنسان عليه أن يباشر الأسباب ، ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب الأسباب ، وهو اللّه سبحانه ، وفي هذا ما يعدل سلوك الناس جميعا . فساعة يرى الإنسان أن البئر مكان قدم إسماعيل وعلى البعد تكون الصفا والمروة ، وتسعى بينهما ، وبعد ذلك تجد زمزم مكان ضربة قدم إسماعيل ، أليس في هذا آيات بينات تهدى الإنسان أن يباشر الأسباب ويأخذ بها ، ويتعلق القلب بمسبب الأسباب ؟ إن هذا يعطى المؤمن إيمانية التوكل ، وهي تختلف عن الكسل و « بلادة التواكل » فإيمانية التوكل هي أن الجوارح تعمل ، والقلوب تتوكل ، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء بالتوكل فهذه بلادة ، ومثل هذا الكسول المتواكل عندما يأتي الأكل أمامه يأكل بنهم وشره ، ولو كان صادقا لترك اللقمة تقفز إلى فمه ، ولماذا يمضغها إذن ؟ لماذا يختار التواكل والكسل ، وعدم العمل ، ثم يمد يده ليأكل ؟ إن هذه هي « صفات التواكل » . إننا نأخذ من سعى « هاجر » وتفجر الماء عبرة ، هي الأخذ بأسباب اللّه ، وبعد ذلك فإننا نجد كل إنسان في البيت الحرام مشغولا بنفسه مع ربه ، ومن فرط انشغاله يكون غافلا عمّن يكون معه ، ولو كان أحب إنسان له فإنه لا يدرى به . وساعة تدخل وتنظر إلى الكعبة ينفض من عقلك كل فكر في أي شئ من الأشياء ، لا تذكر أولادك أو مالك ، لكنك بعد أن تفرغ من المناسك تعود للتفكير في أولادك وعملك ، وإلا لو ظل حبك وشوقك وتعلقك ومواجيدك بهذه البقعة لضاق المكان