محمد متولي الشعراوي
1628
تفسير الشعراوى
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) ( سورة البقرة ) نقول : إن هذه الآية تؤيد ما نقوله ، فمادام للّه المشرق والمغرب ، فهذا هو المعنى العام ، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضا ، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا « الشمال الشرقي » و « الشمال الغربى » و « الجنوب الشرقي » و « الجنوب الغربى » . إذن فكل المتجهات للّه ، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم . وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه ، ويكون الغرب أمامه ، ويتجه إليها إنسان آخر إلى الكعبة ، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة ، وثالث يتجه إلى الكعبة ، فيكون في زاوية أخرى ناظرا إليها ، وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة . إذن فقول الحق : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة ، وبذلك لا تكون هناك جهة أولى باللّه من جهة أخرى . وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة أنّ الكعبة مركز الأرض وأن الأرض خلقت منها ؛ لأن الشئ إذا كان مكورا فأي نقطة فيه تكون مركزا للجميع ، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام ، لكن ألا يكفى أن يرجحها أن اللّه قد اختارها ؟ إن ذلك يكفى وزيادة ، وبذلك ينتهى الأمر ، إنها كذلك ؛ لأنها بيت اللّه باختيار اللّه ، وهذا يكفى . لقد علّمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن الأشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب العقائد أو الدين لا يصح أن تكون محل خلاف أو جدل . يقول سيدنا على كرم اللّه وجهه عن سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : سأله رجل ، « أذلك أول بيت للّه ؟ » فوضح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن قبله بيوتا ، ولكن هو أول بيت وضع للناس . وهذا إيضاح أن اللّه قد جعل الكعبة هي أول بيت له يتعبد فيه جنس البشر ، وذلك لقول اللّه تعالى : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ » . ولكن إن كانت هناك أجناس سابقة على الجنس البشرى فمن المؤكد أنه كانت هناك للّه بيوت لا نعرفها . وما آدم في منطق العقل واحد * ولكنه عند القياس أوادم