محمد متولي الشعراوي

1332

تفسير الشعراوى

افعل . . فإنه قد سد عليك باب « لا تفعل » وساعة يقول لك الحق : لا تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب « افعل » ، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الاختيار فيه مشقة ، فإذا ما جاء أمر اللّه ب « افعل » فقد يكون الفعل في ذاته شاقا ، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة « افعل » فأنت صابر ، لأنك صبرت على الطاعة . . وقد تصبر عن المعصية ، عندما يلح عليك شئ فيه غضب اللّه فترفض أن ترتكب الذنب ، فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب . إذن ففي « افعل » صبر على مشقتها ، وفي « لا تفعل » صبر عنها ، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان ، لأن التكليف إما أن يكون بافعل ، وإما أن يكون بلا تفعل . فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتى المشقة . . وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة . . وعندما يأتي التكليف ب « لا تفعل » كأمر الحق بعدم شرب الخمر ، أو « لا تسرق » فأنت قد صبرت عنها . . إذن ف « افعل » ولا « تفعل » قد استوعبت نوعي التكليف ، وبقيت بعد ذلك أحداث لا تدخل في نطاق افعل ولا تفعل ، وهي ما ينزل عليك نزولا قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية . فساعة أن يطلب اللّه منك أن تفعل ، أي إنه قد خلقك صالحا ألا تفعل كما قلنا من قبل . إلّا إن كنت مجبرا على الفعل فقط . وكذلك إذا قال لك الحق : « لا تفعل » . والشئ القدري الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن ؟ إنه يصبر على الآلام والمتاعب لأنه آمن باللّه ربا ، والرب هو الذي يتولى تربية المربى لبلوغه حد الكمال المنشود له فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه ، كالمرض أو الكوارث الطارئة ، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة ، فكل ذلك هي أمور لا دخل ل « افعل » ولا « تفعل » فيها . وهنا يكون الصبر على مثل هذه الأمور هو إيمان بحكمة من أجراها عليك . لأن الذي أجراها رب ، وهو الذي خلقني فأنا صنعته . وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا . فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه ، فالذي أجراه له فيه حكمة ، فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل في باب الصابرين . إذن ، فالصابرون أنواع هم : صابر على الطاعة ومشاقها ، صابر عن المعاصي