محمد متولي الشعراوي

1333

تفسير الشعراوى

ومغرياتها ، وصابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه . وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على الأقدار النازلة به ، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه . ونأتى بعد ذلك لوصف آخر يقول اللّه فيه : « الصابرين » « والصادقين » . والصدق كما نعلم يقابله الكذب ، والصدق كما نعرف حقيقته : يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي يتكلم بها الإنسان ، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة في الكون . فإن قلت : « حصل كذا وكذا » فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم ، فإن وافقها الواقع بأنه حصل كذا وكذا فعلا يكون المتكلم صادقا . وإن لم يكن الواقع موافقا لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذبا . لماذا ؟ لأن كلام المتكلم العاقل لا بد له من نسب ثلاث : الأولى وهي النسبة الذهنية : فقبل أن أتكلم أعرض الأمر على ذهني ، وذهني هو الذي يعطى الإشارة للسانى ليتكلم ، هذه هي النسبة الأولى واسمها « نسبة الذهن » . وقد يعن لي أن تأتى النسبة الذهنية ثم أعدل عنها فلا أتكلم ، فتكون النسبة الذهنية قد وجدت ، والنسبة الكلامية لم توجد . وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلامية . ونأتى بعد النسبة الكلامية لنرى : هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع ؟ فإن كان قد وقع ، يكون الكلام منى صدقا . وإن لم يكن قد وقع ، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به . فإننا نقول : « هذا كلام كذب » إذن : فالصدق : هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع . والكذب : هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع . وكثيرا ما يخطئ الناس في فهم الواقع فيجدون تناقضا في بعض الأساليب . مثال ذلك ، حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ( من الآية 1 من سورة المنافقون )