محمد متولي الشعراوي
1606
تفسير الشعراوى
ولذلك تجد كثيرا من الناس الذين يتحمسون للإصلاح وللخير ، هم أناس قد تكون فيهم زاوية من زوايا الإسراف على نفوسهم في شئ ، وبعد ذلك يتجهون لعمل الخيرات في مجالات كثيرة جدا ، كأن اللّه يقول لكل منهم : أنت اختلست من محارمى شيئا وأنا سآخذك إلى حلائلى ، إنه الحق يجعل من معصية الفرد السابقة سياطا دائمة تلهب ضميره فيتجه إلى الخير ، فيتصدق على الفقراء ، وربما كان أهل الطاعة الرتيبة ليس في حياتهم مثل هذه السياط . ولكن الذين أسرفوا على أنفسهم هم الذين تلهبهم تلك السياط ، فساعة يرى الواحد منكم إنسانا قد أسرف على نفسه فليدع اللّه له بالهداية ، واعلم تمام العلم أن اللّه سيسخّر منه ما يفعل به الخير ؛ لأن أحدا لن يسرق الكون من محالقه أبدا . وهذا ينطبق على من قال عنهم اللّه : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا » ( وَأَصْلَحُوا ) أي عملوا صلاحات كثيرة لأن حرارة إسرافهم على نفوسهم تلهب ظهورهم دائما ، فهم يريدون أن يصنعوا دائما أشياء لاحقة تستر انحرافاتهم السابقة وتذهبها . وبعد ذلك يقول الحق : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) هذه الآية تحدث عن أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم ، وازدادوا كفرا ، وهؤلاء لا تقبل توبتهم وهم الضالون ، وقد جاءت مقابلة للآية السابقة ، أناس تابوا وأناس لم يتوبوا . لكن كيف يزداد الكفر ؟ إنه قد كفر في ذاته ، وبعد ذلك كان عائقا لغيره عن أن يؤمن ، وهو لا يكتفى بخيبته ، بل يحاول أن ينشر خيبته على الآخرين ، وفي ذلك ازدياد في الكفر والعياذ باللّه ، وهذا القول قد نزل في بعض من اليهود الذين آمنوا بالبشارات التي تنبأت بمقدم عيسى عليه السّلام ، فلما جاء عيسى كفروا به ، ولما جاء محمد ازدادوا كفرا .