محمد متولي الشعراوي
1605
تفسير الشعراوى
ويحب ؛ لأنهم صنعة اللّه فهو سبحانه وتعالى يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وقد أمر عباده أن يتوبوا إليه توبة نصوحا أي توبة صادقة خالصة لا رجوع فيها هذه التوبة تتسم بالاقلاع عن الذنب والندم على ما فات والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى ورد المظالم لأصحابها إن كانت هناك مظالم . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها » « 1 » . وهكذا أوجد الحق تشريع التوبة بهدف إصلاح الكون ؛ لأن اللّه لو لم يشرع التوبة لمن أذنب فإن من غفل عن منهج اللّه ولو مرة واحدة قد يصير في نظر نفسه ضائعا فاسدا مرتكبا لكل الحماقات ، فكأن اللّه بتشريع التوبة قد ضمن لصاحب الإسراف على نفسه في ذنب أن يعود إلى اللّه ، كما يرحم المجتمع من شرور إنسان فاسد ، إذن فتشريع التوبة إنما جاء لصالح الكون ، ولصالح الإنسان لينعم بمحبة اللّه ، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) ( سورة آل عمران ) فبرغم كفرهم السابق إلا أن اللّه برحمته لا يدخلهم في الوعيد ؛ إنهم مطالبون بالتوبة والإصلاح ، ومعنى كلمة « أصلح » أنه زاد شيئا صالحا على صلاحه . والكون ليس فيه شئ فاسد . اللهم إلا ما ينشأ عن فعل اختياري من الإنسان وعلى التائب أن يزيد من الصلاح في الكون ، وهكذا نضمن ألا يجئ التائب إلى الشئ فيفسده ؛ لأن من يريد أن يزيد الصالح صلاحا ، لن يفسد الشئ الصالح . وربما كان هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم في لحظة من لحظات غفلة وعيهم الإيمانى ساعة يذكرون الذنب أو الجريرة التي اقترفوها بالنسبة لدينهم ، يحاولون أن يجدّوا ويسارعوا في أمر صالح حتى يجبر اللّه كسر معصيتهم السابقة بطاعتهم اللاحقة .
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه .