محمد متولي الشعراوي
1329
تفسير الشعراوى
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه : الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) إن قولهم : « رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا » هو أول مرتبة للدخول على باب اللّه ، فكأن الإيمان باللّه يتطلب رعاية من الذي تلقى التكليف لحركة نفسه ، لأن الإيمان له حق يقتضى ذلك ، كأن المؤمن يقول : أنا ببشريتى لا أستطيع أن أوفى بحق الإيمان بك ، فيارب اغفر لي ما حدث لي فيه من غفلة ، أو من زلة ، أو من كبر ، أو من نزوة نفس . وهذا الدعاء دليل على أنه عرف مطلوب الإيمان كما أوضحه لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيانه لمعنى الإحسان حين قال : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . كأنك تستحضر اللّه في كل عمل ؛ لأنه يراك . وهل يتأتى لواحد من البشر أن يجترئ على محارم من يراه بعينه ؟ حينئذ يستحضر المؤمن ما جاء إلينا من مأثور القول ، فكأنه سبحانه وتعالى يوجه إلينا الحديث : يا عبادي إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل في إيمانكم . وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم ؟ وكأن الحق سبحانه يقول للعبد : هل أنا أقل من عبيدي ؟ أتقدر أن تسىء إلى أحد وهو يراك ؟ إذن فكيف تجرؤ على الإساءة لخالقك ؟ إن قول المؤمنين : « إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا » دليل على أنهم علموا أن الإيمان مطلوباته صعبة . « الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا » .
--> ( 1 ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .