محمد متولي الشعراوي
1330
تفسير الشعراوى
فلنر على ماذا رتبوا غفران الذنب ؟ لقد رتبوا طلب غفران الذنب على الإيمان . لماذا ؟ لأنه ما دام الحق سبحانه وتعالى قد شرع التوبة ، وشرع المغفرة للذنب ، فهذا معناه أنه سبحانه قد علم أزلا أن عباده قد تخونهم نفوسهم ، فينحرفون عن منهج اللّه . ويختم الحق سبحانه الآية بقوله على ألسنة المؤمنين : « وَقِنا عَذابَ النَّارِ » لأنه ساعة أن أعلم أن الحق سبحانه وتعالى ضمن لي بواسع مغفرته أن يستر علىّ الذنب ، فإن العبد قد يخجل من ارتكاب الذنب ، أو يسرع بالاستغفار . ولماذا لا يكون قوله : « فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا » بمعنى استرها يا رب عنا فلا تأتى لنا أبدا ؟ وإن جاءت فهي محل الاستغفار والتوبة . فإذا أذنبت ذنبا ، واستغفرت ربى ، وعلمت أن ربى قد أذن بالمغفرة ؛ لأنه قال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( من الآية 10 من سورة نوح ) فإن الوجل يمتنع ، والخوف يذهب عنى ، وأقبل على اللّه بمحبة على تكاليفه وأحمل نفسي على تطبيق منهج اللّه كله . ولذلك حينما شرع الحق سبحانه وتعالى للخلق التوبة كان ذلك رحمة أخرى . وهذه الرحمة الأخرى تتجلى في المقابل والنقيض . هب أن اللّه لم يشرع التوبة وأذنب واحد ذنبا ، وبمجرد أن أذنب ذنبا خرج من رحمة اللّه ، فماذا يصيب المجتمع منه ؟ إن كل الشرور تصيب المجتمع من هذا الإنسان لأنه فقد الأمل في نفسه ، أما حينما يفتح اللّه له باب التوبة فإن ارتكب العبد ذنبا ساهيا عن دينه ، فإنه يرجع إلى ربه . وتلك واقعية الدين الإسلامي ، فليس الدين مجرد كلام يقال ، ولكنه دين يقدر الواقع البشرى ، فإنه - سبحانه - يعلم أن العباد سيرتكبون الذنوب ، فيرسم لهم أيضا طريق الاستغفار . وإذا ما ارتكب العباد ذنوبا ، فإن الحق يطلب منهم أن يتوبوا عنها . وأن يستغفروا اللّه . فإذا ما لذعتهم التوبة حينما يتذكرون الذنب فإن هذه اللذعة كلما لذعتهم أعطاهم اللّه حسنة .