محمد متولي الشعراوي
1580
تفسير الشعراوى
وسأحتجب اليوم ؟ ! أتمرد الهواء وقال : لا ، إن الخلق لم تعد تستحق تنفس الهواء ، لذلك لن أمكنهم من الانتفاع بي . أرأينا المطر امتنع ؟ هل استنبت الإنسان أرضا صالحة للزراعة واستعصت عليه ؟ لا . . فكل شئ في الوجود يؤدى مهمته تسخيرا وتذليلا . لذلك يقول الحق : وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) ( سورة يس ) والحق سبحانه وتعالى يطلق بعضا من الحيوان فلا يذلل ، ولا يستأنس ، وذلك حتى تعلم أيها الإنسان أنك لم تستأنس الجمل بقدرتك فإن كانت لك قدرة مطلقة على الكون فاستأنس بعض ثعابين هذا العالم أو استأنس الأسد . وأنت أيها الإنسان ترى في هذا الكون بعضا من الحيوانات والمخلوقات شاردة مثل الثعابين والحيوانات المتوحشة . بغير استئناس ليدلنا الحق على أن هذا الذي يخدمك لو لم يذلله اللّه لك لما استطعت أنت بقدرتك أن تذلله ، إنه تذليل وتسخير وخضوع لهذه المخلوقات منحه اللّه تعالى لك أيها الإنسان تفضلا منه - سبحانه - مع عجزك وضعفك . ولم نجد شيئا نافعا قد عصى الإنسان في الكون ، لأن كل الخلق مسخر من اللّه لخدمة الإنسان كافرا كان أو مؤمنا ، وهذا هو عطاء الربوبية ، لأن عطاء الربوبية يشمل الخلق جميعا ، فالخالق الأكرم هو رب الناس كلهم ويتولى تربيتهم جميعا ، ولذلك تستجيب الأجناس من غير الإنسان للإنسان سواء أكان مؤمنا أم كافرا . فإن أحسن الكافر استخدام الأسباب فإن الأسباب تعطيه ولا تعطى المؤمن الذي لا يستخدم الأسباب ، أو لا يحسن استخدامها فهذا هو عطاء الربوبية ، والربوبية للجميع . أما عطاء الألوهية فهو « افعل ولا تفعل » وهو عطاء للمؤمنين فقط . فإذا كانت هذه هي صورة الكون وهو يؤدى مهمته بلا شذوذ فيه ، ومنسجم في ذاته انسجاما عجيبا فلنا أن نسأل « من أين جاء الخلل في الكون ؟ » إن الخلل قد