محمد متولي الشعراوي
1564
تفسير الشعراوى
لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن اللّه لم يختر رسولا أمينا على المنهج ، وظنوا باللّه ظن السوء ، أو أنهم ظنوا أن الرسول سيحرف المنهج كما حرفوه هم ، فتحولوا عن عبادة اللّه إلى عبادة من بعثه اللّه رسولا ، ولذلك جاء القول الفصل « ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ » . وقد ينصرف المعنى أيضا إلى أن بعض صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يجلّونه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكل مؤمن مطلوب منه أن يجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأن يعظمه ، ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قالوا له : أنسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، ألا نسجد لك ؟ إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يطلب السجود له من أحد ، والحق سبحانه هو الذي كلف عباده المؤمنين بتكريم رسوله فقال : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) ( سورة النور ) إن المطلوب هو التعظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا أن نعطى له أشياء لا تكون إلا للّه . إن تعظيم المسلمين لرسول اللّه وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفا عن دعاء بعضنا بعضا . والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول : « وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ » . إن « لكن » هنا للاستدراك ، مثلما قلنا من قبل : إن « بلى » تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها . إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لأحد من البشر أن يقول : « كُونُوا عِباداً لِي » بعد أن أعطاه اللّه الكتاب والحكم والنبوة ، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها هي : « كُونُوا رَبَّانِيِّينَ » وكلمة « رباني » ، وكلمة « رب » ، وكلمة « ربيون » ، وكلمة « ربان » ، وكل المادة المكونة من « الراء » و « الباء » تدل على التربية ، والولاية ، وتعهد المربى ، وتدور