محمد متولي الشعراوي

1565

تفسير الشعراوى

حول هذا المعنى . أليس ربان السفينة هو الذي يقود السفينة ؟ وكلمة « الرب » توضح المتولى للتربية ، إذن فما معنى كلمة « رباني » ؟ إنك إذا أردت أن تنسب إلى « رب » تقول : « ربّى » . وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفا ونونا فنقول : « رباني » ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمرا إلى العلم فيقولون : « علمانى » وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم . والفرق بين « علمي » و « علمانى » هو أن العلمانى يزعم لنفسه أن كل أموره تمشى على العلم المادي ، ونجد أن في « علمانى » ألفا ونونا زائدين لتأكيد النسبة إلى العلم . وقد يقول قائل : ولماذا نؤكد الانتساب إلى اللّه بكلمة « رباني » ؟ ونقول : لأن الكلمة مأخوذة من كلمة رب ، وتؤدى إلى معان : منها أن كل ما عنده من حصيلة البلاغ لا بد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الرب ؛ لأنه لم يأت بشئ من عنده ، أي أنه يأخذ من اللّه ولا يأخذ من أحد آخر أبدا ؛ فهو رباني الأخذ . وتؤدى الكلمة إلى معنى آخر : إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفا بخلق أنزله رب يربى الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم ، فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربيا ، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح . يقول الحق - سبحانه - : « بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ » إن العلم هو تلقى النص المنهجي . والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي . لذلك فنحن في الريف نقول : « ندرس القمح » أي أننا ندرس القمح بآلة حادة كالنورج حتى تنفصل حبوب القمح عن « التبن » وتكون نتيجة الدراس هي استخلاص النافع . . إذن ففيه فرق بين « تعلمون » أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من اللّه وذلك خاضع لتلقى النص ، وبين « ما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ » أي تعملون أفكاركم في الفهم عن النص . إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة ، ومعنى المدارسة هو أخذ وعطاء ، ويقال : « دارسه » أي أن واحدا قد قام بتبادل التدريس مع آخر ، ويقال أيضا : « تدارسنا » أي أنني قلت ما عندي وأنت قد قلت ما عندك حتى يمكن أن نستخلص