محمد متولي الشعراوي
1563
تفسير الشعراوى
لكن لماذا جاءت هذه الآية ؟ لقد جاءت هذه الآية بعد جدال نصارى نجران مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة ، وأثناء الجدال انضمت إليهم جماعة من اليهود ، وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : - بماذا تؤمن وتأمر ؟ فأبلغهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأوامر المنهج ونواهيه ، وأصول العبادة ، ولأن تلك الجماعة كانوا من أهل الكتاب ، بعضهم من نصارى نجران والبعض الآخر من يهود المدينة ، وكانوا يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند اللّه ، ويريدون من الناس طاعة هذه الأوامر ، لذلك لم يفطنوا إلى الفارق بين منهج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأوامره ، وبين ما زيفوه هم من أوامر ، فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يطلب من الناس عبادة اللّه على ضوء المنهج الذي أنزله عليه الحق سبحانه ، أما هم فيطلبون طاعة الناس في أوامر من تزييفهم . والطاعة - كما نعلم - هي للّه وحده في أصول كل الأديان ، فإذا ما جاء إنسان بأمر ليس من اللّه ، وطلب من الناس أن يطيعوه فيه ، فهذا معناه أن ذلك الإنسان يطلب أن يعبده الناس - والعياذ باللّه - لأن طاعة البشر في غير أوامر اللّه هي شرك باللّه . ولهذا تشابهت المواقف على هذا البعض من أهل الكتاب ، وظنوا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يطلب منهم طاعتهم لأوامره هو ، كما كانوا يطلبون من الناس بعد تحريفهم للمنهج وقالوا : أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها ؟ إنهم لم يفطنوا إلى الفارق بين الرسول الأمين على منهج اللّه ، وبين رؤسائهم الذين خالفوا الأحكام واستبدلوها بغيرها ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يطلب منهم طاعته لذاته هو ، ولكنه قد طلب منهم الطاعة للمنهج الذي جاء به رسولا وقدوة ، واستنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما قالوه . وأنزل اللّه سبحانه قوله الحق : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ ( من الآية 79 سورة آل عمران )