محمد متولي الشعراوي
1559
تفسير الشعراوى
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 46 ) ( سورة النساء ) لقد فضحهم - الحق سبحانه - لنا ، وهم يحرفون الكلام عن موضعه ، فقد قال الحق هذا القول بمعنى : أن الذي تسمعه لا يضرك لقد سجل اللّه عليهم أنهم قالوا سمعنا وعصينا كما قاموا بتحريف الكلمة وقالوا : « اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ » أي « لا سمعت أبدا » ، تماما كما أخذوا من قبل قول اللّه : وَقُولُوا حِطَّةٌ ( من الآية 161 من سورة الأعراف ) وحرفوا هذا القول : « وقولوا حنطة » ، وهم قد فعلوا ذلك حتى نحسب هذا التحريف من الكتاب ، وما هو من الكتاب ، أي أنهم يفتلون بعضا من المعاني المستنبطة من الكلمات حتى يوهموا المؤمنين بأن هذه المعاني غير المرادة وغير الصحيحة هي معان مرادة للّه ، وصحيحة المعنى ، إنهم يدعون على المنهج المنزل من السماء ما ليس فيه ، ولذلك قال سبحانه : « لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ » إنهم عندما يلوون ألسنتهم بالكتاب يحرفونه رغبة في التلبيس والتدليس عليكم لتظنوا أنه من الكتاب المنزل من عند اللّه على رسولهم ، إنهم لو فعلوا ذلك فحسب لجاز أن يتوبوا ويرجعوا إلى ربهم ويندموا على ما فعلوا . أما قولهم بعد ذلك : « هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » فهو دليل على أنهم أحدثوا في الكتاب شيئا وأصروا عليه فجاءوا بقولهم : ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) لينفوا عن أنفسهم شبهة أن يدعى عليهم أنهم حرفوا الكتاب ، ولو لم يكونوا قد حرفوا الكتاب أكانت تخطر ببالهم ، هذه ؟ إن أمرهم جاء من باب ( يكاد المريب أن يقول خذونى ) إنهم بهذا القول يحتالون على إخفاء أمر حدث منهم . إن الحق - سبحانه - يؤكد أن الخيانة تلاحقهم فيقول : ( وما هو من عند اللّه ) ، فهذه الآية الكريمة تفضحهم وتكشف تحريفهم لكتاب اللّه ، يقول سبحانه : « وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »