محمد متولي الشعراوي
1560
تفسير الشعراوى
إنهم يعرفون أن ما يقولونه هو الكذب ، والكذب كما عرفنا هو أن تكون النسبة الكلامية غير مطابقة للواقع ، فالنسب في الأحداث تأتى على ثلاث حالات : نسبة واقعة . نسبة يفكر فيها وهي نسبة ذهنية . نسبة ينطق بها . فعندما نعرف إنسانا اسمه محمد ، وهو مجتهد بالفعل فهذه نسبة واقعة وإذا خطر ببالك أن تخبر صديقا لك باجتهاد محمد فهذا الخاطر نسبة ذهنية . وساعة تنطق بهذا الخبر لصديق لك صارت النسبة كلامية . والصدق هو أن تكون النسبة الكلامية لها واقع متسق معها كأن يقول : « محمد مجتهد » ويكون هناك بالفعل من اسمه محمد وهو مجتهد بالفعل ، وبهذا تكون أنت الناطق بخبر اجتهاد محمد إنسانا صادقا ، أما إن لم يكن هناك من اسمه محمد ومجتهد فالنسبة الكلامية لا تتفق مع النسبة الواقعية ، لذلك يصير الخبر كاذبا . والعلماء يفرقون بين الصدق والكذب بهذا المعيار . فالصدق : هو مطابقة الكلام للواقع ، والكذب : هو عدم مطابقة الكلام للواقع . وحاول بعض من الذين يحبون التشكيك أن يقفوا عند سورة المنافقين التي يقول فيها الحق : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) ( سورة المنافقون ) لقد قال المنافقون : نشهد إنك لرسول اللّه ، وسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو رسول من عند اللّه بالفعل ، والحق سبحانه يقول : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ » فهل علمهم كعلم اللّه ؟ لا ، لأن اللّه سبحانه قال : « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » ، فكيف يصفهم الحق بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا بما شهد هو به ؟ إن الحق لا يكذبهم في أن محمدا رسول اللّه فهذه قضية صادقة ، ولكنه سبحانه قد كذبهم في قضية قالوها وهي : « نشهد » ، لأن قولهم : « نشهد » تعنى أن يوافق الكلام المنطوق ما يعتقدونه في قلوبهم ، وقولهم : « نشهد » هو قول لا يتفق مع ما في