محمد متولي الشعراوي
1548
تفسير الشعراوى
الإسلام قد جاء بكل الحق ، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول اللّه أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان بالإسلام ، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود : نحن نفكر في أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه المهاجمة ؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطى كل ذي حق حقه . وهؤلاء هم الذين يؤرخ اللّه لهم بالقول : « مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ » وتلك شهادة على صدق اليقين من هؤلاء ، أما الذين طغت عليهم المادية فهؤلاء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم : « وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً » وهذا هو التأريخ الصادق لمن طغت عليهم المادية فلا يرد الإنسان منهم ما عليه إلا بعد الملاحقة والمطاردة ، وهكذا يبلغنا القرآن التاريخ بصدق . والعلة في أن الذي يؤتمن على قنطار يؤديه ، والذي يؤتمن على دينار لا يؤديه هي علة واضحة . فالمؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمام إله موصوف باسم الحق ، ولا يريد اللّه من عباده إلا أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق . وأكرر هنا مرة أخرى ، إن كلمة « الأمانة » ترد في القرآن الكريم مرة وهي متعدية ب « على » ، ومرة أخرى وهي متعدية بالباء ، لأن الباء تأتى في اللغة لإلصاق شئ بشئ آخر ، فكأنك إذا اؤتمنت أيها المسلم فلابد أن تلتصق بالأمانة حتى تؤديها ، وكذلك جاءت الأمانة متعدية ب « على » ، أي أنك أيها المؤمن إذا اؤتمنت فعليك أن تستعلى على الشئ الذي اؤتمنت عليه . فإذا ما اؤتمنت على مائة جنيه مثلا فلا تنظر إلى ما يعود عليك من نفع إذا ما تصرفت في هذا المبلغ ، بل يجب أن تستعلى على تلك المنفعة . فإياك أن تغش نفسك أيها المؤمن بفائدة ونفاسة الشئ الذي تختلسه من الأمانة ، بل قارن هذا الشئ بالأمانة فستجد أن كفة الأمانة هي الراجحة . والذين استباحوا خيانة الأمانة من أهل الكتاب ، إنما عميت بصيرتهم عن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد نال الشهرة بالأمانة سواء قبل الرسالة أو بعدها . وعميت أبصارهم ، إن الدين الحق لا يفرق في أداء الأمانة بين صنف من البشر ، وصنف آخر ؛ فالدين الحق يضم تشريعا من إله خلق الجميع وهكذا نجد أن تشريعهم بالتفرقة في أداء الأمانة هو تشريع من عند أنفسهم ، وليس من الرب المتولى شؤون خلقه جميعا ، ويدحض الحق القضية التي حكموا بوساطتها أن يعاملوا الأميين