محمد متولي الشعراوي

1527

تفسير الشعراوى

ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السّلام لا يمكن أن يكون يهوديا باعتبار التحريف الذي حدث منهم ، أي لا يكون موافقا لهم في عقيدتهم ، وكذلك لا يمكن أن يكون نصرانيا للأسباب نفسها ، لكنه « كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » أي أنه مائل عن طريق الاعوجاج . قد يقول قائل : ولماذا لم يقل اللّه : « إن إبراهيم كان مستقيما » ولماذا جاء بكلمة « حنيفا » التي تدل على العوج ؟ ونقول : لو قال : « مستقيما » لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد كانوا في عوج وضلال ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه « كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً » وكلمة « مسلما » تقتضى « مسلما إليه » وهو اللّه ، أي أنه أسلم زمامه إلى اللّه ، ومسلما فيه وهو الإيمان بالمنهج . وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى اللّه فقد أسلم في كل ما ورد ب « افعل ولا تفعل » وإذا ما طبقنا هذا الاشتقاق على موكب الأنبياء والرسل فسنجد أن آدم عليه السّلام كان مسلما ، ونوحا عليه السّلام كان مسلما ، وكل الأنبياء الذين سبقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا مسلمين . كان كل نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شئ إلى مسلم إليه ؛ وهو اللّه ، ويطبق المنهج الذي نزل إليه ، وبذلك كان الإسلام وصفا لكل الأنبياء والمؤمنين بكتب سابقة ، إلى أن نزل المنهج الكامل الذي اختتمت به رسالة السماء على محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ب « افعل ولا تفعل . » ولم يعد هناك أمر جديد يأتي ، ولن يشرع أحد إسلاما للّه غير ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . لقد اكتملت الغاية من الإسلام ، ونزل المنهج بتمامه من اللّه . واستقر الإسلام كعقيدة مصفاة ، وصار الإسلام علما على الأمة المسلمة ، أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وهي التي لا يستدرك عليها لأنها أمة أسلمت للّه في كل ما ورد ونزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . لذلك قال الحق : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا