محمد متولي الشعراوي
1506
تفسير الشعراوى
الذي يأتي بعد ، فمن الذي جاء من بعد عيسى بمنهج من السماء ؟ إنه محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ولكن على أي منهج يكون الذين اتبعوك ؟ أعلى المنهج الذي جاؤوا به أم المنهج الذي بلغته أنت يا عيسى ؟ إن الذي يتبعك على غير المنهج الذي قلته لن يكون تبعا لك ، ولكن الذي يأتي ليصحح الوضع على المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك . وقد جاء محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما أراده اللّه . « وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » . فإن أخذنا المعنى بهذا ؛ فإن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هي التي اتبعت منهج اللّه الذي جاء به الرسل جميعا ، ونزل به عيسى أيضا ، وأن أمة محمد قد صححت كثيرا من القضايا التي انحرف بها القوم . نقول ليس المراد هنا من « فوق » الغلبة والنصر ، ولكننا نريد من « فوق » الحجة والبرهان . وذلك إنما يحدث في حالة وجود قوم منصفين عقلاء يزنون الأمور بحججها وأدلتها وهم لن يجدوا إلا قضية الإسلام وعقيدة الإسلام . إذن ، فالفوقية هي فوقية ظهور دليل وقوة برهان . ولذلك قال الحق سبحانه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) ( سورة التوبة ) وفي موقع آخر من القرآن الكريم ، يؤكد الحق ظهور الإسلام على كافة الأديان وهو الشاهد على ذلك : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 28 ) ( سورة الفتح ) ومعنى ذلك أن اللّه قد أراد للإسلام أن يظهر على كل الأديان . وقد يقول قائل : إن في العالم أديانا كثيرة ، ولم يظهر عليها الإسلام ، والموجودون من المسلمين في العالم الآن مليار وأضعاف ذلك من البشر على ديانات أخرى . نقول لمثل هذا القائل : إن