محمد متولي الشعراوي
1507
تفسير الشعراوى
اللّه أراد للإسلام أن يظهره إظهار حجة ، لا من قبلكم أنتم فقط ولكن من قبلهم هم كذلك . والناس دائما حين يجتمعون ليشرعوا القوانين وليحددوا مصالح بعضهم بعضا ، يلجأون أخيرا إلى الإسلام . فلننظر إلى من يشرع من جنس تشريع الأرض ولنسأل أرأيت تشريعا أرضيا ظل على حاله ؟ لا ، إن التشريع الأرضي يتم تعديله دائما . لماذا ؟ لأن الذي وضع التشريع الأول لم يكن له من العلم ما يدله على مقتضيات الأمور التي تجدّ ، فلما جدّت أمور في الحياة لم تكن في ذهن من شرع أولا ، احتاج الناس إلى تعديل التشريع . ولنمسك بأي قانون بشرى معدل في أي قضية من قضايا الكون ، ولننظر إلى أي اتجاه يسير ؟ إنه دائما يتجه إلى الإسلام ، وإن لم يلتق مع الإسلام فإنه يقرب من الإسلام . وعندما قامت في أوروبا ضجة على الطلاق في الإسلام ، ما الذي حدث ؟ جاء التشريع بالطلاق في إيطاليا تحت سمع وبصر الفاتيكان . هل شرعوا الطلاق لأن الإسلام أباح الطلاق ؟ لا ، إنما شرعوه لأن أمور الحياة أخضعتهم إلى ضرورة تشريع الطلاق ، فكأنهم أقاموا الدليل بخضوعهم لأمور الحياة على أن ما جاء به الإسلام قبل التجربة كان حقا . بدليل أن أوروبا لجأت إلى تشريع الطلاق لا كمسلمين ولكن لأن مصالح حياتهم لا تتأتى إلا به . وهل هناك ظهور وغلبة أكثر من الدليل الذي يأتي من الخصم ؟ تلك هي الغلبة . لقد وصلوا إلى تشريع الطلاق رغم كراهيتهم للإسلام كدليل على صدق ما جاء به الإسلام . وفي الربا ، الذي يريد البعض هنا أن يحلله ، تجد أوروبا تحاول التخلص منه ، لأنهم توصلوا بالتجربة إلى أن المال لا يؤدى وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى صفر . أي أنهم عرفوا أن إلغاء الربا ضروري حتى يؤدى المال وظيفته الحقيقية في الحياة ؛ والذي ألجأهم إلى الوصول إلى هذه الحقيقة هو أن فساد الحياة سببه الربا ، فأرادوا أن يمنعوا الربا . لقد وصلوا إلى ما بدأ به الإسلام من أربعة عشر قرنا . أتريد غلبة ، وتريد فوقا ، وتريد ظهورا ، أكثر من هذا بالنسبة لدين اللّه ؟ إذن ، ففهم الخصوم ما يصلح أمر الحياة اضطرهم إلى الأخذ بمبادئ الإسلام . ونتابع بالتأمل قول الحق : « وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » . أي أن الحق جاعل الذين ساروا على المنهج الأصيل القادم من اللّه فوق الذين كفروا . فالذين يقولون فيك يا عيسى ابن مريم ما لا يقال من ألوهية ، هل