محمد متولي الشعراوي

1481

تفسير الشعراوى

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) إذن اجتمع الرسول والمرسل إليهم في أنهم جميعا مربوبون إلى إله واحد ، هو الذي يتولّى تربيتهم والتربية تقتضى إيجادا من عدم ، وتقتضى إمدادا من عدم ، وتقتضى رعاية قيومية ، وعيسى ابن مريم يقر بعبوديته للّه وكأنه يقول : وأنا لم أصنع ذلك لأكون سيدا عليكم ، ولكن أنا وأنتم مشتركون في العبودية للّه . « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » . ومعنى « هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » أي أنه صراط غير ملتويا لأن الطريق إذ إلتوى ؛ انحرف عن الهدف ، وحتى تعرف أن الكل يسير على طريق مستقيم واحد ، فلتعلم أنك إذا نظرت على سبيل المثال إلى الدائرة ، فستجد أن لها محيطا ، ولها مركزا ، ومركز الدائرة هو الذي نضع فيه « سن الفرجار » حتى نرسم الدائرة ، وبعد ذلك تصل من المركز إلى المحيط بأنصاف أقطار ، وكلما بعدنا عن المركز زاد الفرق ، وكلما نقرب من المركز تتلاشى الفروق . فإذا ما كان الخلق جميعا يلتقون عند المركز الواحد فهذا يعنى الاتفاق ، لكن الاختلاف يحدث بين البشر كلما بعدوا عن المركز ولذلك لا تجد للناس أهواء ولا نجد الناس شيعا إلا إذا ابتعدوا عن المركز الجامع لهم . والمركز الجامع لهم هو العبودية للإله الواحد ، وما دامت عبوديته لإله واحد ففي هذا جمع للناس بلا هوى أو تفرق . إنه حتى في الأمر الحسى وهو الدائرة المرسومة ، نجد أن الأقطار المأخوذة من المحيط وتمر بمركز الدائرة ، سنجد أنه في مسافة ما قبل المركز تتداخل الأقطار إلى أن تصير عند نقطة المركز شيئا واحدا لا انفصال بينها أبدا . وهكذا الناس إذا التقوا جميعا عند مركز عبوديتهم للإله الواحد ، فإذا ما اختلفوا ، بعدوا عن العبودية للإله الواحد بمقدار ذلك الاختلاف . ولذلك دعا المسيح عيسى ابن مريم الناس لعبادة اللّه « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ