محمد متولي الشعراوي

1479

تفسير الشعراوى

التوراة . وقلنا : إن « ما بين يدي » الإنسان هو الذي سبقه ، أي الذي جاء من قبله وصار أمامه . وما دام عيسى ابن مريم جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة في زمانه ، وكانت التوراة موجودة ، فلماذا جاءت رسالته إذن ؟ لكن القول الحق يتضمن هذا المعنى : إن عيسى سيأتي بأحكام جديدة ، ويتضح ذلك في قوله الحق سبحانه على لسان عبده عيسى ابن مريم : « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » إذن فليس المهم هو التصديق فقط ، ذلك أن عيسى جاء ليحل بعضا من الذي حرمته التوراة . وقد يقول قائل : إذا كانت الكتب السماوية تأتى مصدقة بعضها بعضا فما فائدة توالى نزول الكتب السماوية ؟ والإجابة هي : أن فائدة الكتب السماوية اللاحقة أنها تذكر من سها عن الكتب السابقة ، هذا في المرتبة الأولى ، وثانيا : تأتى الكتب السماوية بأشياء ، وأحكام تناسب التوقيتات الزمنية التي تنزل فيها هذه الكتب . هذه هي فوائد الكتب السماوية التي توالت نزولا من الحق على رسله ، إنها تذكر من عقل وتعدلّ في بعض الأحكام . ومن الطبيعي أننا جميعا نفهم أن العقائد لا تبديل فيها ، وكذلك الأخبار والقصص ، لكن التبديل يشمل بعضا من الأحكام . ولهذا جاء القول الحق على لسان عبده عيسى ابن مريم : « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » ونحن نعرف أن القوم الذي أرسل اللّه عيسى ابن مرم لهم هم بنو إسرائيل ، والتحريم والتحليل يكون بحكمة من اللّه . إن للّه حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم ، إنما إياك أن تفهم أن كل شئ يحرمه اللّه يكون ضارا ؛ قد يحرم اللّه أشياء لتأديب الخلق ، فيأمر بالتحريم ، ولا يصح أن تسأل عن الضرر فيها ، وقد يعيش المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم اللّه . فإن تساءل أحد : لماذا حرم اللّه ذلك ؟ تقول له : من الذي قال لك إن اللّه حين يحرم فهو يحرم الشئ الضار فقط ؟ إنه الحق سبحانه يحرم الضار ، ويحرم بعضا ممّا هو غير ضار ، ولذلك قال الحق :