محمد متولي الشعراوي
1451
تفسير الشعراوى
بل لا بد أن يعطيه أطول من حدود أعمار الناس ، ويهيئ له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيدا ، وهو بالشهادة يصير حيا ، فكأنه يحيا دائما ، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . وهكذا أراد اللّه ليحيى عليه السّلام أن يحيا كحياة الناس ، ويحيا حياة أطول من حياة الناس إلى أن تقوم الساعة ، وأيضا نأخذ ملحظا في أن زكريا حينما بشّر بأن اللّه سيهبه غلاما ويسميه يحيى ، نجده قد استقبلها بالعجب . كيف يستقبل زكريا مسألة الرزق بالولد متعجبا مع أنه رآها في الرزق الذي كان يجده عند مريم ؟ « يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » . ولنا أن نقول : أكنت تحب أن يمر مثل هذا الأمر الخارق للعادة والخارق للناموس على سيدنا زكريا كأنه أمر عادى لا يندهش له ولا يتعجب ؟ لا ، لابد أن يندهش ويتعجب لذلك قال : « ربى أنّى يكون لي غلام » . فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة ، ولو لم تكن تلك الدهشة لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادى . إذن ، فهو يلفتنا إلى الأمر العجيب الذي خصه اللّه به . وأيضا جاءت المسألة على خلاف ناموس التكاثر والإنجاب والنسل : « وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » . إن المسألة كلها تفضل وهبة من اللّه . فلما جاءته البشارة ، لم يقل اللّه له : إنني سأهبك الغلام واسمه يحيى من امرأتك هذه ، أو وأنت على حالتك هذه . فيتشكك ويتردد ويقول : أترى يأتي الغلام الذي اسمه « يحيى » منى وأنا على هذه الحالة ، امرأتي عاقر وأنا قد بلغت هذا الكبر ، أو ربما ردنا اللّه شبابا حتى نستطيع الإنجاب ، أو تأتى امرأة أخرى فأتزوجها وأنجب . إذن فالعجب في الهيئة التي سيصير عليها الإنجاب فقوله : « أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » هذا التساؤل من زكريا يهدف به إلى معرفة الهيئة أو الحالة التي سيأتي بها الإنجاب ، لأن الإنجاب يأتي على حالات متعددة . فلما أكد اللّه ذلك قال : « كذلك » ماذا تعنى كذلك ؟ إنها تعنى أن الإنجاب سيأتي منك ومن زوجك وأنتما على حالكما ، أنت قد بلغت من الكبر عتيا ، وامرأتك عاقر . لأن العجيبة تتحقق بذلك ، أكان من المعقول أن يردهما اللّه شبابا حتى يساعداه أن يهبهما الولد ؟ لا . لذلك قال الحق : « كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » . أي كما أنتما ، وعلى حالتكما .