محمد متولي الشعراوي

1452

تفسير الشعراوى

لقد جعل الحق الآية ألا يكلم زكريا الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة ، وقد يكون عدم الكلام في نظر الناس مرضا لا ، إنه ليس كذلك ، لأنّ الحق يقول له : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » إنّ الحق يجعل زكريا قادرا على التسبيح ، وغير قادر على الكلام . وهذه قدرة أخرى من طلاقة قدرة اللّه ، إنه اللسان الواحد ، غير قادر على الكلام ، ولو حاول أن يتكلم لما استطاع ، ولكن هذا اللسان نفسه - أيضا - يصبح قادرا فقط على التسبيح ، وذكر اللّه بالعشىّ والإبكار ، ذكر اللّه باللسان وسيسمعه الناس ، وذلك بيان لطلاقة القدرة . وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى مسألة أخرى تتعلق بمريم ، لأن مريم هي الأصل في الكلام ، فالرزق الذي كان يأتيها من اللّه بغير حساب هو الذي نبه سيدنا زكريا إلى طلب الولد ، وجاء الحق لنا بقصة زكريا والولد ، ثم عاد إلى قصة مريم : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) « وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ » المراد بها جبريل عليه السّلام ، والسبب في أن الحق يورد ذلك ب « قالَتِ الْمَلائِكَةُ » لأن كلام المتكلم - أي الإنسان - له - كما قلنا - زاوية انطلاق يأتي من جهتها الصوت . وتستطيع أن تتأكد من ذلك عندما يجئ لك صوت ، فأنت تجد ميل أذنك لجهة مصدر الصوت ، فإن جاء الصوت من ناحية أذنك اليمنى فأنت تلتفت وتميل إلى يمينك ، وإذا جاءك الصوت من شمالك تلتفت إلى الشمال . لكن المتكلم هنا هو جبريل عليه السّلام ، ويأتي صوته من كل جهة حتى يصير الأمر عجيبا ، لهذا جاء الكلام منسوبا إلى الملائكة . فماذا قال جبريل ؟ قال جبريل مبلغا عن رب العزة : « يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ » وما الاصطفاء ؟ إن الاصطفاء اختيار واجتباء ، وهو مأخوذ