محمد متولي الشعراوي
1448
تفسير الشعراوى
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) ( سورة مريم ) لقد كان هذا القول تأكيدا لا شك فيه ، فبمجرد أن قال الرب فقد انتهى الأمر . فماذا يريد زكريا من بعد ذلك ؟ إنه يطلب آية ، أي علامة على أن يحيى قد تم إيجاده في رحم أمه ، وما دامت المرأة قد كبرت فهي قد انقطع عنها الحيض ، ولا بد أنه عرف الآية لأنه يعرف مسبقا أنها عاقر . لكن زكريا لم يرغب أن يفوت على نفسه لحظة من لحظات هبات اللّه عليه ، وما دام الحمل قد حدث فهنا كانت استغاثة زكريا ، لا تتركني يا رب إلى أن أفهم بالعلامات الظاهرة المحسة ، لأننى أريد أن أعيش من أول نعمتك علىّ في إطار الشكر لك على النعمة ، فبمجرد أن يحدث الإخصاب لا بد أن أحيا في نطاق الشكر ؛ لأن النعمة قد تأتى وأنا غير شاكر . إنه يطلب آية ليعيش في نطاق الشكر ، إنه لم يطلب آية لأنه يشك - معاذ اللّه - في قدرة اللّه ، ولكن لأنه لا يريد أن يفوت على نفسه لحظة النعمة من أول وجودها إلا ومعها الشكر عليها ، والذي يعطينا هذا المعنى هو القول الحق : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » . لابد أن معناها أنه يرغب في الكلام فلا يستطيع . إن هناك فارقا بين أن يقدر على الكلام ولا يتكلم ، وبين ألا يقدر على الكلام . وما دامت الآية هبة من اللّه . فالحق هو الذي قال له : سأمنعك من أن تتكلم ، فساعة أن تجد نفسك غير قادر على الكلام فاعرف أنها العلامة ، وستعرف أن تتكلم مع الناس رمزا ، أي بالإشارة ، وحتى تعرف أن الآية قادمة من اللّه ، وأن اللّه علم عن عبده أنه لا يريد أن تمر عليه لحظة مع نعمة اللّه بدون شكر اللّه عليها ، فإننا نعلم أن اللّه سينطقه . . « وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » . لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكرا ، وجعل كل وقته ذكرا ، فلم ينشغل بالناس أو بكلام الناس ، وذكر الرب كثيرا هو ما علمه - سبحانه - عن زكريا عندما طلب الآية ليصحبها دائما بشكر اللّه عليها ، إن قوله :