محمد متولي الشعراوي

1447

تفسير الشعراوى

إن زكريا - وهو الطالب - يصيبه التعجب من الاستجابة فيتساءل . كيف يكون ذلك ؟ والحق يورد ذلك ليعلمنا أن النفس البشرية دائما تكون في دائرات التلوين ، وليست في دائرات التمكين ، وذلك ليعطى اللّه لخلقه الذين لا يهتدون إلى الصراط المستقيم الأسوة في أنه إذا ما حدث له ابتلاء فعليه الرجوع إلى اللّه ، فيقول زكريا : « أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » . إن بلوغ الكبر ليس دليلا على أنه عاجز عن الإنجاب لأنه قد يكون كبير العمر ، وقادرا على إخصاب امرأة ، ذلك أن الإخصاب بالنسبة لبعض الرجال ليس أمرا عسيرا مهما بلغ من العمر إن لم يكن عاقرا ، ولكن المرأة هي العنصر المهم ، فإن كانت عاقرا ، فذلك قمة العجز في الأسباب . ولو أن زكريا قال فقط : « وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » لكان أمرا غير مستحب بالنسبة لزوجته ، ولكان معنى ذلك أنه نسب لنفسه الصلاحية وهي غير القادرة . إنه أدب النبوة وهو أدب عال ؛ لذلك أوردها من أولها : « وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » ولنر دقة القول في : « بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ » ، إنه لم يقل : « بلغت الكبر » بل يقول : إن الكبر هو الذي جاءني ولم أجىء أنا إلى الكبر ؛ لأن بلوغ الشئ يعنى أن هناك إحساسا ورغبة في أن تذهب إليه ، وذكر زكريا « وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » هو تضخيم لطلاقة القدرة عند من يستمع للقصة ، لقد أورد كل الخوالج البشرية ، وبعد ذلك يأتي القول الفصل : « قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » إنها طلاقة القدرة التي فوق الأسباب لأنها خالقة الأسباب . ويقول زكريا : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) إن زكريا يطلب علامة على أن القول قد انتقل إلى فعل .