محمد متولي الشعراوي

1414

تفسير الشعراوى

ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا الأمر . إن كل مبدأ من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من ظواهر الشر في الوجود ، وهذا المبدأ يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه ، ويريد صلابة يقين ، وقوة عزيمة ، كما يريد تحمل منهج ، فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس ، والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم ، فلو لم يشرع اللّه التقية بقوله : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ( من الآية 106 من سورة النحل ) لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدى مناهج الحق بالتضحية بالحياة رخيصة في سبيل اللّه ، ولكن هب أن كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل علم اللّه إلى الآخرين ؟ لذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى التقية من أجل أن يبقى من يحمل المنهج ، إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة ، ويشرع لنا التقية من أجل بقاء العقيدة . لقد جاء الحق بالأمرين : أمر الوقوف في وجه الباطل بالاستشهاد في سبيل الحق ، وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى لا يضيع المنهج الحق لو جاء جبار ، واستأصل المؤمنين جميعا ، لذلك يشرع الحق ما يبقى للفداء قوما ، ويبقى للبقاء قوما ليحملوا منهج اللّه ، هل عرفنا الآن لماذا جاءت التقية ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد منهجا يعمر الأرض ، ويورث للأجيال المتتالية ، فلو أن الحق لم يشرع التقية بقوله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) ( سورة النحل ) لثبتت الفدائية في العقيدة ، ولو ثبتت الفدائية وحدها لكان أمر المنهج عرضة لأن يزول ، ولا يرثه قوم آخرون ، لذلك شرع اللّه التقية ليظل أناس حول شمعة الإيمان ، يحتفظون بضوئها ؛ لعل واحدا يأخذ بقبسها ، فيضىء بها نورا وهاجا . ولذلك ، فلا ولاية من مؤمن لقوم كافرين إلا أن يتقى منهم تقاة ، لماذا ؟ لأن اللّه يحذرنا نفسه بقوله : « وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » .