محمد متولي الشعراوي
1403
تفسير الشعراوى
للملاحظة المباشرة لذلك ، وفي الحياة أمثلة أخرى ، نأخذ منها هذا المثل ، فعندما قام العلماء بتصوير الأرض من الأقمار الصناعية ، كانت الصور الأولى لمدينة نيويورك هي صورة لنقطة بسيطة ، وعندما قام العلماء بتكبير هذه الصور ظهرت الجزئيات ، كالشوارع وغيرها ، أين كانت الشوارع في هذه النقطة الصغيرة ؟ لقد صغرت الشوارع أثناء التصوير بصورة تستحيل معها على آلات الإدراك عند الإنسان أن تراها ، ولذلك فلابد من التكبير لهذه الصور حتى يمكن للإنسان أن يراها ، ونحن نرى الشئ البعيد صغيرا ، ولكما قربناه كبر في نظرنا . إذن فقول اللّه : « تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » هو لفت للانتباه البشرى إلى أن الليل والنهار لا يفصل بينهما حد قاطع بنسبة متساوية لكل منهما ، لا ، إنه الحق بقدرته يدخل الليل في النهار ، ويدخل النهار في الليل . إن معنى « تولج » هو « تدخل » ، ومثال ذلك أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب في يوم ما عند الساعة الخامسة ، ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب في أيام أخرى في الساعة السابعة . إن ذلك لا يحدث فجأة ، ولا يقفز المغرب من الخامسة إلى السابعة ، إنما يحدث ذلك بانسيابية ، ورتابة . ومن ذلك نتلقى الدرس والمثل . إنك أيها العبد إن رأيت ملكا قائما على حضارة مؤصلة ، فاعلم أن هناك عوامل دقيقة لا تراها بالعين تنخر في هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهى فيه هذا الملك . وهكذا تنهار الحضارات بعد أن تبلغ أوج الارتقاءات ، ويصل الناس فيها إلى استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة ، وذلك لأن عوامل الانهيار تنخر داخل هذه الحضارات . إن الحق يلفتنا إلى جلال قدرته وعظمة دقة صنعه ، بمثل الليل والنهار : « تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » . ثم يأتي لنا الحق الأعلى بمثل آخر ، فيقول : « وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ » ، إنها القدرة المطلقة بدون أسباب . والوقفة هنا تجعلنا نرى كيف اهتدينا بما أفاض اللّه على بعض خلقه من اكتشاف لبعض أسراره في كونه ، لقد وصل العلم لمعرفة أن لكل شئ حياة خاصة ، فنرى أن ورقة النبات تحدث فيها تفاعلات ولها حياة خاصة ، ونرى أن الذرة فيها تفاعلات