علي محمد علي دخيل

785

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أي وعلم عند ذلك هذا الذي بلغت روحه تراقيها أنه الفراق من الدنيا والأهل والمال والولد وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قيل فيه وجوه ( أحدها ) التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا عن ابن عباس ومجاهد ( والثاني ) التفت حال الموت بحال الحياة عن الحسن ( والثالث ) التفت ساقاه عند الموت ، عن الشعبي وأبي مالك ، لأنه يذهب القوة فيصير كجلد يلتف بعضه ببعض وقيل : هو أن يضطرب فلا يزال يمدّ إحدى رجليه ويرسل الأخرى ، ويلفّ إحداهما بالأخرى عن قتادة وقيل : هو التفاف الساقين في الكفن ( والرابع ) التف ساق الدنيا بساق الآخرة ، وهو شدّة كرب الموت بشدة هول المطلع ، والمعنى في الجميع : أنه تتابعت عليه الشدائد فلا يخرج من شدة إلا جاءه أشدّ منها إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أي يسوق الملك بروحه إلى حيث أمر اللّه تعالى به ، إن كان من أهل الجنة فإلى عليين ، وإن كان من أهل النار فإلى سجّين والمساق : موضع السوق فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى أي لم يتصدق بشيء ، ولم يصل للّه وَلكِنْ كَذَّبَ باللّه وَتَوَلَّى عن طاعته ، وقيل معناه : لم يصدق بكتاب اللّه . ولكن كذّب بالكتاب والرسول ، وأعرض عن الإيمان ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أي يرجع إليهم يتبختر ويختال في مشيته أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى وهذا تهديد من اللّه والمعنى : وليك المكروه وقرب منك ، والتكرار للتأكيد أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أيظن الإنسان الكافر بالبعث ، الجاحد لنعم اللّه أن يترك مهملا من غير أمر يؤخذ به فيكون فيه تقويم له وإصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره ، وأجمل به في دنياه وآخرته أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى أي كيف يظن أن يهمل وهو يرى في نفسه من تنقل الأحوال ما يمكنه أن يستدل به على أن له صانعا حكيما أكمل عقله وأقدره ، وخلق فيه الشهوة ، فيعلم أنه لا يجوز أن يخليه من التكليف ، ومعنى قوله يمنى : أي يصب في الرحم ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ منها خلقا في الرحم فَسَوَّى خلقه وصورته وأعضاءه الباطنة والظاهرة فَجَعَلَ مِنْهُ أي من الإنسان الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وهذا اخبار من اللّه سبحانه انه لم يخلق الإنسان من المني ، ولم ينقله من حال إلى حال ليتركه مهملا ، فإنه لا بدّ من غرض في ذلك وهو التعريض للثواب بالتكليف أَ لَيْسَ ذلِكَ الذي فعل هذا بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى هذا تقرير لهم على أن من قدر على الابتداء قدر على البعث والإحياء ، فإن من قدر على جعل النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، إلى أن يجعلها حيّا سليما مركّبا فيه الحواس الخمس ، والأعضاء الشريفة التي يصلح كل منها لما لا يصلح له الآخر ، وخلق الزوجين الذكر والأنثى الذين يصحّ بهما التناسل ، فإنه يقدر على إعادته بعد الموت إلى ما كان عليه من كونه حيّا ، وجاء في الحديث عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : سبحانك اللهم وبلى . سورة الانسان مدنية وآياتها إحدى وثلاثون آية النزول قد روى الخاص والعام أن الآيات من هذه السورة وهي قوله إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ إلى قوله : وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وجارية لهم تسمى فضة . 1 - 10 - هَلْ أَتى معناه : قد أتى عَلَى الْإِنْسانِ أي