علي محمد علي دخيل
786
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ألم يأت على الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وقد كان شيئا إلا أنه لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً لأنه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح ، فهل هنا استفهام يراد به التقرير ، قال الجبائي : وهو تقرير على ألطف الوجوه وتقديره : أيّها المنكر للصانع وقدرته أليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ثم ذكرت ؟ وكل أحد يعلم من نفسه أنه لم يكن موجودا ثم وجد ، فإذا تفكّر في ذلك علم أن له صانعا صنعه ، ومحدثا أحدثه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني ولد آدم عليه السلام مِنْ نُطْفَةٍ وهي ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منه الولد أَمْشاجٍ أي أخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة جعلها اللّه في النطفة ، ثم بناه اللّه البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط نَبْتَلِيهِ أي نختبره بما نكلفه من الأفعال الشاقة ليظهر إما طاعته وإما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً لنبتليه : أي لنتعبده ونأمره وننهاه ؛ والمراد : فأعطيناه آلة السمع والبصر ليتمكن من السمع والبصر ومعرفة ما كلف إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بيّنا له الطريق ، ونصبنا له الأدلة ، وأزحنا له العلة حتى يتمكن من معرفة الحق والباطل إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً معناه : ليختار اما السعادة واما الشقاوة ، والمراد اما أن يختار بحسن اختياره الشكر للّه تعالى والاعتراف بنعمه فيصيب الحظ ، واما أن يكفر نعم اللّه ويجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ أي هيّأنا وادّخرنا لهم جزاء على كفرانهم وعصيانهم سَلاسِلَ يعني في جهنّم كما قال : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً وَأَغْلالًا وَسَعِيراً نارا موقدة نعذّبهم بها ونعاقبهم فيها . ثم ذكر ما أعدّه للشاكرين المطيعين فقال إِنَّ الْأَبْرارَ وهو جمع البر المطيع للّه ، المحسن في أفعاله ؛ وقد أجمع أهل البيت عليهم السلام وموافقوهم وكثير من مخالفيهم أن المراد بذلك عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، والآية مع ما بعدها متعينة فيهم ، وأيضا فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبرارا وفي غيرهم خلاف يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ إناء فيه شراب كانَ مِزاجُها أي ما يمازجها كافُوراً وهو اسم عين ماء في الجنة والمعنى : يمازجه ريح الكافور وليس ككافور الدنيا عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي أولياؤه ، أي هذا الشراب من عين يشرب بها أولياء اللّه ، وخصّهم بأنّهم عباد اللّه تشريفا وتبجيلا يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم وقصورهم والتفجير : تشقيق الأرض بجري الماء ، وأنهار الجنة تجري بغير أخدود ، فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خطّ خطّا فينبع الماء من ذلك الموضع ويجري بغير تعب . ثم وصف سبحانه هؤلاء الأبرار فقال يُوفُونَ بِالنَّذْرِ أي كانوا في الدنيا بهذه الصفة ، والإيفاء بالنذر : هو أن يفعل ما نذر عليه ، فإذا نذر طاعة تمّمها ووفى بها وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي فاشيا منتشرا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي على حبّ الطعام والمعنى : يطعمون الطعام أشدّ ما تكون حاجتهم إليه ؛ وصفهم اللّه سبحانه بالأثرة على أنفسهم مِسْكِيناً وهو الفقير الذي لا شيء له وَيَتِيماً وهو الذي لا والد له من الأطفال وَأَسِيراً وهو المأخوذ من أهل دار الحرب إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي لطلب رضا اللّه ، خالصا للّه ، مخلصا من الرياء وطلب الجزاء وهو قوله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً انهم لم يتكلموا بذلك ولكن علم اللّه سبحانه ما في قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك الراغب ، والمراد : لا نطلب بهذا الطعام مكافأة عاجلة ، ولا نريد أن تشكرونا عليه عند الخلق ، بل فعلناه للّه إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً أي عذاب يوم عَبُوساً أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه ؛ ووصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة وهذا كما يقال : يوم صائم وليل قائم . قال ابن عباس : يعبس فيه الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق