علي محمد علي دخيل
758
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
إلى معاذيرهم ويقال لهم : لا تعتذروا اليوم فهذا جزاء فعلكم وذلك قوله إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ من معاصيه ، وارجعوا إلى طاعته تَوْبَةً نَصُوحاً أي خالصة لوجه اللّه ، قال معاذ بن جبل : يا رسول اللّه ما التوبة النصوح ؟ قال : أن يتوب التائب ثم لا يرجع في ذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي يحطّها عنكم ، ويدخلكم الجنة ؛ وعسى من اللّه واجب ثم قال يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي لا يعذّبهم اللّه بدخول النار ، ولا يذلّهم بذلك ، بل يعزّهم بإدخالهم الجنة نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ مفسر في سورة الحديد ، وقال أبو عبد اللّه ( ع ) : يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة يَقُولُونَ رَبَّنا وهو في موضع نصب على الحال تقديره : قائلين ربنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا معناه : وفّقنا للطاعة التي هي سبب النور وَاغْفِرْ لَنا أي استر علينا معاصينا ولا تهلكنا بها إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إطفاء نور المنافقين ، وإثبات نور المؤمنين . ثم خاطب سبحانه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالقتال والحرب وَالْمُنافِقِينَ بالقول الرادع عن القبيح لا بالحرب إلّا ان فيه بذل المجهود فلذلك سمّاه جهادا وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي اشدد عليهم من غير محاباة وَمَأْواهُمْ أي مآل الكفار والمنافقين جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المآل والمستقر . ثم ضرب اللّه المثل لأزواج النبي حثّا لهن على الطاعة ، وبيانا لهن أن مصاحبة الرسول مع مخالفته لا تنفعهن فقال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا أي نبيّين من أنبيائنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما كانت خيانتهما انهما كانتا كافرتين فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي ولم يغن نوح ولوط مع نبوتهما عن امرأتيهما من عذاب اللّه شيئا وَقِيلَ أي ويقال لهما يوم القيامة ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وقيل : إن اسم امرأة نوح واغلة ، واسم امرأة لوط واهلة وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ وهي آسية بنت مزاحم قيل : انها لما عاينت المعجز من عصا موسى وغلبته السحرة أسلمت ، فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت ، فاوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس ، ثم أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة ، فلما قرب أجلها قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ قيل : إنها كانت تعذّب بالشمس أظلتها الملائكة ، وجعلت ترى بيتها في الجنة وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ أي دينه وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من أهل مصر قالوا : قطع اللّه بهذه الآية طمع من ركب المعصية رجاء أن يقطعه صلاح غيره ، وأخبر أن معصية الغير لا تضرّ من كان مطيعا . قال مقاتل يقول اللّه سبحانه لعائشة وحفصة : لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية ، وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم وهو قوله وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي منعت فرجها من دنس المعصية ، وعفت عن الحرام فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي فنفخ جبرائيل بأمرنا في جيبها من روحنا وقيل معناه : خلقنا المسيح في بطنها ونفخنا فيه الروح حتى صار حيا ، فالضمير في فيه يعود إلى المسيح وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي بما تكلم اللّه تعالى وأوحاه إلى أنبيائه وملائكته وَكُتُبِهِ أي وصدقت بكتب اللّه المنزلة على أنبيائه وملائكته مثل التوراة والإنجيل وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي المطيعين للّه سبحانه ، والدائمين على طاعته ، ويجوز أن يكون من القنوت في الصلاة ، ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت مريم منهم ، وكانوا أهل بيت صلاح وطاعة ، ولم يقل من القانتات لتغليب المذكّر على المؤنّث ، وجاءت الرواية عن معاذ بن جبل قال : دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم