علي محمد علي دخيل
610
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
استخلصتهم وآثرتهم وعصمتهم فلا سبيل لي عليهم . 84 - 88 - ثم حكى سبحانه ما أجاب به إبليس وأنه قالَ له فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ أي حقا لأملأن والحق قول اعترض بين القسم والمقسم عليه ، وجاز ذلك لأنه مما يؤكّد القصة كما قال الشاعر : أراني ولا كفران للّه آية * لنفسي لقد طالبت غير منيل فاعترض بقوله : ولا كفران للّه بين المفعول الأول والثاني ، ومن رفع فعلى معنى فأنا الحق ، أو الحق مني ، وأقول الحق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ وقبل قولك مِنْهُمْ أي من بني آدم أَجْمَعِينَ ثم خاطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : قُلْ يا محمد لكفار مكة ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ الوحي والقرآن والدعاء إلى اللّه سبحانه مِنْ أَجْرٍ أي مال تعطونيه وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ لهذا القرآن من تلقاء نفسي ، وقيل معناه : اني ما أتيتكم رسولا من قبل نفسي ، ولم أتكلف هذا الإتيان ، بل أمرت به ، وقيل معناه : لست ممن يتعسّف في طلب الأمر الذي لا يقتضيه العقل ؛ وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : يا أيّها الناس من علم شيئا فليقل ، ومن لم يعلم فليقل اللّه أعلم ، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم : اللّه أعلم ، فإن اللّه تعالى قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي ما القرآن إلّا موعظة للخلق أجمعين وقيل : ما القرآن إلا شرف لمن آمن به وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ أي ولتعلمن يا كفار مكة خبر صدقه بعد الموت ، عن ابن عباس وقتادة وقيل : بعد يوم بدر عن السدي وقيل : من عاش علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا دينه ، ومن مات علمه بعد الموت ، عن الكلبي . سورة الزمر مكية وعدد آياتها خمس وسبعون آية ختم اللّه سبحانه سورة ص بذكر القرآن وافتتح هذه السورة أيضا به . 1 - 5 - عظّم اللّه سبحانه أمر القرآن ، وحثّ المكلفين على القيام بما فيه ، واتباع أوامره ونواهيه بأن قال تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ المتعال عن المثل والشبه الْحَكِيمِ في أفعاله وأقواله ؛ فوصف هنا نفسه بالعزة تحذيرا من مخالفة كتابه ، وبالحكمة اعلاما بأنه يحفظه حتى يصل إلى المكلفين من غير تغيير لشيء منه إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي لم ننزله باطلا بغير غرض ، وقيل معناه : بالأمر الحق أي بالدين الصحيح فَاعْبُدِ اللَّهَ أي توجّه بعبادتك إلى اللّه وحده مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ من شرك الأوثان والأصنام ، والإخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه لا يجعل ذلك لغرض الدنيا أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ والخالص : هو الذي لا يشوبه الرياء والسمعة ، ولا وجه من وجوه الدنيا ، والدين الخالص الإسلام ، عن الحسن وقيل : هو شهادة أن لا إله إلا اللّه عن قتادة وقيل معناه : ألا للّه الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء ، فهذا للّه وحده لا يجوز أن يكون لغيره وقيل : هو الاعتقاد الواجب في التوحيد والعدل والنبوة والشرائع ، والإقرار بها ، والعمل بموجبها ، والبراءة من كل دين سواها ، فهذا تفصيل قول الحسن انه الإسلام وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي زعموا أن لهم من دون اللّه مالكا يملكهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى أي ليشفعوا لنا إلى اللّه والزلفى : القربى وهو اسم أقيم مقام المصدر إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يوم القيامة فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمور الدين ،