علي محمد علي دخيل

611

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

فيعاقب كلّا منهم على قدر استحقاقه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى طريق الجنة أو لا يحكم بهدايته إلى الحق مَنْ هُوَ كاذِبٌ على اللّه وعلى رسوله كَفَّارٌ بما أنعم اللّه عليه ، جاحد لإخلاص العبادة للّه ، ولم يرد به الهداية إلى الإيمان لقوله سبحانه وأما ثمود فهديناهم لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً على ما يقوله هؤلاء من أن الملائكة بنات اللّه ، أو ما يقوله النصارى من أن المسيح ابن اللّه ، أو اليهود ان عزيرا ابن اللّه لَاصْطَفى أي لاختار مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي ما كان يتخذ الولد باختيارهم حتى يضيفوا إليه من شاءوا ، بل كان يختص من خلقه ما يشاء لذلك لأنه غير ممنوع من مراده ومثله قوله لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا ، ثم أخبر سبحانه أنه منزّه عن اتخاذ الأولاد بقوله سُبْحانَهُ أي تنزيها له عن ذلك هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد الْقَهَّارُ لخلقه بالموت وهو حيّ لا يموت . ثم نبّه سبحانه على كمال قدرته فقال خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي لم يخلقهما باطلا لغير غرض ، بل خلقهما للغرض الحكمي يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه بالزيادة والنقصان ، فما يزيد في أحدهما ينقص من الآخر عن الحسن وجماعة من المفسرين وقيل : يغشى هذا هذا كما قال : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ، عن قتادة وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بأن أجراهما على وتيرة واحدة كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى مدة قدّرها اللّه لهما أن يجريا إليها وقيل : إلى قيام الساعة ، وقيل : لأجل مسمى : أي لوقت معلوم ، في الشتاء والصيف ، هو المطلع والمغرب لكل واحد منهما أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ مرّ معناه وفائدة الآية أن من قدر على خلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وإدخال الليل في النهار ، فهو منزّه عن اتخاذ الولد والشريك ، فإن ذلك من صفة المحتاجين . 6 - 10 - ثم أبان سبحانه عن كمال قدرته بخلق آدم وذريته فقال : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم عليه السّلام لأن جميع البشر من نسله ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها يعني حواء ، أي من فضل طينته وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ المعنى : جعلها نزلا ورزقا لكم . ويعني بالأزواج الثمانية من الأنعام : الإبل والبقر والغنم والضأن والمعز ، من كل صنف اثنان هما زوجان ، وهو مفسّر في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم ينشئ خلقا آخر عن قتادة ومجاهد والسدي وقيل : خلقا في بطون الأمهات بعد الخلق في ظهر آدم فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة وقيل : ظلمة الليل أو ظلمة صلب الرجل وظلمة الرحم وظلمة البطن . ثم خاطب سبحانه خلقه فقال ذلِكُمُ اللَّهُ الذي خلق هذه الأشياء رَبُّكُمْ الذي يملك التصرف فيكم لَهُ الْمُلْكُ على جميع المخلوقات لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن طريق الحق بعد هذا البيان مثل قوله : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ إِنْ تَكْفُرُوا ان تجحدوا نعمة اللّه تعالى ولم تشكروه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وعن شكركم : فلا يضرّه كفركم وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وفي هذا أوضح دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد ، لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن يكون راضيا به لعبده لأن الرضا بالفعل ليس إلا ما ذكرناه ، ألا ترى أنه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا ويقع منه على ما نريده فلا نكون راضين به أو أن نرضى شيئا ولم نرده البتة وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي وان تشكروا اللّه تعالى على نعمه ، وتعترفوا بها يرضه لكم ، ويرده منكم ، ويثبكم عليه والهاء في يرضه كناية عن المصدر الذي دلّ عليه وان تشكروا والتقدير يرضى الشكر لكم كقولهم من كذب كان