علي محمد علي دخيل

581

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بَصِيرٌ بأحوالهم ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ يعني القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا أي اخترناهم ، ومعنى الإرث : انتهاء الحكم إليهم ، ومصيره لهم كما قال : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها . واختلف في الذين اصطفاهم اللّه تعالى من عباده في الآية فقيل : هم الأنبياء اختارهم اللّه برسالته وكتبه ، وقيل : هم أمّة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم أورثهم اللّه كل كتاب أنزله ، وقيل : هم علماء أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم لما ورد في الحديث : العلماء ورثة الأنبياء ؛ و المروي عن الباقر والصادق عليهما السّلام أنّهما قالا : هي لنا خاصة وإيانا عنى ؛ وهذا أقرب الأقوال لأنهم أحق الناس بوصف الاصطفاء والاجتباء ، وإيراث علم الأنبياء إذ هم المتعبدون بحفظ القرآن وبيان حقائقه والعارفون بجلائله ودقائقه فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ الضمير في منهم يعود إلى العباد وتقدير الكلام : فمن العباد ظالم ، وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول في الآية : أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة ، فهم الذين قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ وقيل إن الظالم : من كان ظاهره خيرا من باطنه ، والمقتصد : الذي استوى ظاهره وباطنه ، والسابق : الذي باطنه خير من ظاهره بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وتوفيقه ولطفه ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ معناه : ان إيراث الكتاب ، واصطفاء اللّه إياهم هو الفضل العظيم من اللّه عليهم جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها هذا تفسير للفضل ، كأنّه قيل : ما ذلك الفضل ؟ فقال : هي جنات يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ جمع أسورة ، وهي جمع سوار مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً والمعنى : ويحلّون فيها لؤلؤا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وهو الإبريسم المحض وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ أخبر سبحانه عن حالهم انهم إذا دخلوا الجنة يقولون : الحمد للّه اعترافا منهم بنعمته لا على وجه التكليف ، وشكرا له على أن أذهب الغم الذي كانوا عليه في دار الدنيا عنهم إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ لذنوب عباده ، وقبيح أفعالهم شَكُورٌ يقبل اليسير من محاسن أعمالهم وقيل إن شكره سبحانه هو مكافأته لهم على الشكر له ، والقيام بطاعته الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي أنزلنا دار الخلود يقيمون فيها أبدا ، لا يموتون ولا يتحوّلون عنها مِنْ فَضْلِهِ أي ذلك بتفضّله وكرمه لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ لا يصيبنا في الجنة عناء ومشقة وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي ولا يصيبنا فيها اعياء ومتعبة في طلب المعاش وغيره . 36 - 40 - وَالَّذِينَ كَفَرُوا بوحدانية اللّه ، وجحدوا نبوّة نبيّه لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ جزاء على كفرهم لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بالموت فَيَمُوتُوا فيستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها أي ولا يسهّل عليهم عذاب النار كَذلِكَ أي ومثل هذا العذاب ونظيره نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ جاحد كثير الكفران ، مكذّب لأنبياء اللّه وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي يتصايحون بالاستغاثة يقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا من عذاب النار نَعْمَلْ صالِحاً أي نؤمن بدل الكفر ، ونطع بدل المعصية والمعنى : ردّنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من المعاصي ؛ فوبّخهم اللّه تعالى فقال أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أي ألم نعطكم من العمر