علي محمد علي دخيل
5
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
مقدمة هذا الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ القرآن الكريم معجزة الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلّم الخالدة ، والحجّة القائمة على البشرية جمعاء ، وهو منذ ألف وأربعمائة سنة يتحدّى العالم على أن يأتوا بمثله فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ « 1 » ثم تنزّل معهم بأن يأتوا بعشر سور فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ « 2 » فعجزوا عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بسورة واحدة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ « 3 » وهو لا يزال يتحدّاهم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 4 » . وقد أمرنا الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله والأئمة من أهل بيته عليهم السلام بقراءة القرآن الكريم ، وحثّوا الأمّة على التزود منه ، فمن حديث له صلّى اللّه عليه وآله : فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فإنه شافع مشفّع « 5 » وما حل مصدّق « 6 » ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ؛ وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق « 7 » وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم « 8 » لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه . فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة « 9 » فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب « 10 » ويتخلص من نشب « 11 » فإن التفكّر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلّص ، وقلّة التربّص « 12 » . و يقول صلّى اللّه عليه وآله لسلمان رضي اللّه عنه : يا سلمان عليك بقراءة القرآن ، فإن قراءته كفّارة للذنوب ، وستر من النار ، وأمان من العذاب . . . وينزل على صاحبه الرحمة ، ويستغفر له الملائكة ، واشتاقت إليه الجنة ، ورضي عنه المولى ، وإن المؤمن إذا قرأ القرآن نظر اللّه إليه بالرحمة ، يا سلمان ان المؤمن إذا قرأ القرآن فتح اللّه عليه أبواب الرحمة ، وخلق اللّه بكل حرف يخرج من فمه ملكا يسبّح له إلى يوم القيامة ، وانه ليس شيء بعد تعلّم العلم أحب إلى اللّه من قراءة القرآن ، وإن أكرم العباد على اللّه بعد الأنبياء العلماء ، ثم حملة القرآن ، يخرجون من الدنيا كما يخرج الأنبياء ، ويحشرون في قبورهم مع الأنبياء ، ويمرّون على الصراط مع الأنبياء ، ويأخذون ثواب الأنبياء ، فطوبى لطالب العلم وحامل القرآن مما لهم عند اللّه من الكرامة والشرف « 13 » . و يقول أمير المؤمنين عليه السلام : البيت الذي يقرأ فيه القرآن ، ويذكر اللّه عزّ وجل فيه تكثر بركته ، وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ، ولا يذكر اللّه عزّ وجل فيه تقلّ بركته ، وتهجره
--> ( 1 ) سورة الطور ، الآية : 34 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 13 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 24 ( 4 ) سورة الإسراء ، الآية : 88 . ( 5 ) أي هو يشفع - يطلب النجاة ؛ لقارئيه والعاملين بأحكامه فيشفعه اللّه جلّ جلاله فيهم . ( 6 ) محل به : إذا سعى به إلى السلطان ، والمراد : أن يسعى بالمسلم إلى اللّه جلّ جلاله إذا قصّر في العمل به . ( 7 ) انيق : حسن معجب . ( 8 ) له نجوم : أي آيات تدل على أحكام اللّه ، وعلى نجومه نجوم : آيات تدل على هذه الآيات وتوضّحها . ( 9 ) لمن عرف الصفة : أي لمن عرف إشارات القرآن وبيانه . ( 10 ) العطب : الهلاك . ( 11 ) النشب : الوقوع فيما لا مخلص منه . ( 12 ) التربص : الانتظار . أصول الكافي 2 / 599 . ( 13 ) بحار الأنوار 92 / 18 .