مجمع البحوث الاسلامية

77

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تحصيل مصالح نفسه ، وأمّا البهيمة إذا أعتقت وتركت ، لم تقدر على رعاية مصالح نفسها ، فوقعت في أنواع من المحنة ، أشدّ وأشقّ ممّا كانت حال ما كانت مملوكة ، فظهر الفرق » . 4 - إن قيل : لم ألغى الإسلام عادة أهل الجاهليّة في تسبيبهم الحامي من الإبل ، وهو ضرب من الاعتراف بالجميل ورفق بالحيوان ، كما تناوي به بعض الجمعيّات في عصرنا هذا ؟ قلنا : إنّ تلك العادة تقضي بهدر الثّروة والإضرار بالاقتصاد وتعطيل الأعمال . ثمّ إنّ هذا الإجلال والتّقدير لبهيمة لا تعي ولا تدرك ، لضرب من الجهل والنّزق . وقد أقدمت البحريّة الدّنماركيّة في الآونة الأخيرة على هذا النّمط من العمل الجاهليّ ، فأثار عجب شعوب العالم وسخريّتها بحكومة الدّنمارك وجيشها ؛ إذ كرّمت بطريقا ، طائر القطب المعروف ! فمنحته رتبة عقيد ، وأحالته على التّقاعد خلال استعراض عسكريّ ! فأصبح مسيّبا طليقا كالحامي عند الجاهليّة البائدة ! المحور الثّالث : الحميّة الآية ( 5 ) : فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ، وفيها بحوث أيضا : 1 - الحميّة : الأنفة والغضب - كما تقدّم في اللّغة وقال بعضهم : العصبيّة والجبريّة والإباء وثوران القوّة الغضبيّة ونحوها ، وكلّها لازم الأنف ، وهي في « الحمي » بمعنى المنع - وأوّلت هنا بعدم إقرار المشركين قول : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، * و « محمّد رسول اللّه » . أو العصبيّة لآلهتهم دون عبادة غيرها ، أو الاقتداء بآبائهم في عاداتهم وتقاليدهم . 2 - قال الفخر الرّازيّ : « فيه لطائف معنويّة ولفظيّة ، الأولى : هو أنّ اللّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء : أحدها : جعل ما للكافرين بجعلهم ، فقال : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وجعل ما للمؤمنين بجعل اللّه ، فقال : فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، وبين الفاعلين ما لا يخفى . ثانيها : جعل للكافرين الحميّة وللمؤمنين السّكينة ، وبين المفعولين تفاوت . . . ثالثها : أضاف الحميّة إلى الجاهليّة ، وأضاف السّكينة إلى نفسه ؛ حيث قال : حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ، وقال : ( سكينته ) ، وبين الإضافتين ما لا يذكر . الثّانية : زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء بشيء ، فعلهم بفعل اللّه ، والحميّة بالسّكينة ، والإضافة إلى الجاهليّة بالإضافة إلى اللّه تعالى ، وألزمهم كلمة التّقوى . . . وأمّا اللّفظيّة فثلاث لطائف : الأولى : قال في حقّ الكافر : ( جعل ) ، وقال في حقّ المؤمن : ( انزل ) ، ولم يقل : خلق ، ولا جعل سكينته ، إشارة إلى أنّ الحميّة كانت مجعولة في الحال في العرض الّذي لا يبقى . وأمّا السّكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرّحمة ، معدّة لعباد ، فأنزلها . الثّانية : قال : ( الحميّة ) ثمّ أضافها بقوله : حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ، لأنّ الحميّة في نفسها صفة مذمومة ، وبالإضافة إلى الجاهليّة تزداد قبحا ، وللحميّة في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح ، كالمضاف إلى الجاهليّة . 3 - هل الحميّة ممقوتة مطلقا ؟ يظهر من الأحاديث