مجمع البحوث الاسلامية

605

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الزّمخشريّ : أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أنّ الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاقّ والشّدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعني ومن المكابدة أنّ مثلك على عظم حرمتك يستحلّ بهذا البلد الحرام ، كما يستحلّ الصّيد في غير الحرم . [ ثمّ ذكر قول شرحبيل وقال : ] وفيه تثبيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكّة ، وتعجيب من حالهم في عداوته ، أو سلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقسم ببلده على أنّ الإنسان لا يخلو من مقاساة الشّدائد . واعترض بأنّ وعده فتح مكّة تتميما للتّسلية والتّنفيس عنه ، فقال : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعني وأنت حلّ به في المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ؛ وذلك أنّ اللّه فتح عليه مكّة وأحلّها له ، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلّت له ، فأحلّ ما شاء وحرّم ما شاء ، قتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرّم دار أبي سفيان . [ ثمّ ذكر حديث النّبيّ وقال : ] فإن قلت : أين نظير قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال ؟ قلت : قوله : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ الزّمر : 30 ، ومثله واسع في كلام العباد ، تقول لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبوّ ، وهو في كلام اللّه أوسع ، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة ، وكفاك دليلا قاطعا على أنّه للاستقبال وأنّ تفسيره بالحالّ محال ، أنّ السّورة بالاتّفاق مكّيّة ، وأين الهجرة عن وقت نزولها ، فما بال الفتح . ( 4 : 255 ) نحوه القرطبيّ ( 20 : 60 ) ، والنّسفيّ ( 4 : 358 ) ، والشّربينيّ ( 4 : 537 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 430 ) . ابن عطيّة : واختلف في معنى قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ . . . فقال ابن عبّاس وجماعة : معناه وأنت حلال بهذا البلد يحلّ لك فيه قتل من شئت ، وكان هذا يوم فتح مكّة ؛ وعلى هذا يتركّب قول من قال : السّورة مدنيّة نزلت عام الفتح ، ويتركّب على التّأويل قول من قال : ( لا ) نافية ، أي إنّ هذا البلد لا يقسم اللّه به ، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته ، ويتّجه أيضا أن تكون ( لا ) غير نافية . وقال بعض المتأوّلين : وَأَنْتَ حِلٌّ . . . معناه حالّ ساكن بهذا البلد ، وعلى هذا يجيء قول من قال : هي مكّيّة ، والمعنى على إيجاب القسم بيّن ، وعلى نفيه أيضا يتّجه على معنى القسم ببلد أنت ساكنه ، على أذى هؤلاء القوم وكفرهم . ( 5 : 483 ) الطّبرسيّ : [ نحو الطّوسيّ وأضاف : ] وهذا وعد من اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يحلّ له مكّة حتّى يقاتل فيها ويفتحها على يده ، ويكون بها حلّا يصنع بها ما يريد القتل والأسر ، وقد فعل سبحانه ذلك ، فدخلها غلبة وكرها ، وقتل ابن أخطل وهو متعلّق بأستار الكعبة ، ومقبس بن سبابة وغيرهما . [ ثمّ ذكر قول أبي مسلم الأصفهانيّ وقال : ] وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . [ وقد تقدّم ]