مجمع البحوث الاسلامية
606
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يريد أنّهم استحلّوك فيه فكذّبوك وشتموك ، وكانوا لا يأخذ الرّجل منهم فيه قاتل أبيه ، ويتقلّدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إيّاه ، فاستحلّوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما لم يستحلّوا من غيره ، فعاب اللّه ذلك عليهم . ( 5 : 493 ) ابن الجوزيّ : قال المفسّرون : والمعنى أنّ اللّه تعالى وعد نبيّه أن يفتح مكّة على يديه بأن يحلّها له ، فيكون فيها حلّا . ( 9 : 127 ) الفخر الرّازيّ : فأمّا قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ فالمراد منه أمور : أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد ، نازل فيه ، حالّ به ، كأنّه تعالى عظّم مكّة من جهة أنّه عليه الصّلاة والسّلام مقيم بها . وثانيها : الحلّ بمعنى الحلال ، أي أنّ الكفّار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرّمات ، ثمّ إنّهم مع ذلك ومع إكرام اللّه تعالى إيّاك بالنّبوّة يستحلّون إيذاءك ، ولو تمكّنوا منك لقتلوك ، فأنت حلّ لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك . [ ثمّ ذكر قول شرحبيل وقال نحو ما ذكر عن الزّمخشريّ وأضاف : ] ورابعها : وَأَنْتَ حِلٌّ . . . أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه ، تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الّذين يرتكبون فيه الكفر باللّه ، وتكذيب الرّسل . وخامسها : أنّه تعالى لمّا أقسم بهذا البلد دلّ ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثمّ قال : وَأَنْتَ حِلٌّ . . . أي وأنت من حلّ هذه البلدة المعظّمة المكرّمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك عن الأفعال القبيحة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الجمعة : 9 ، وقال : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ التّوبة : 128 ، وقوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يونس : 16 ، فيكون الغرض شرح منصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بكونه من هذا البلد . ( 31 : 180 ) البيضاويّ : قيل : ( حلّ ) مستحلّ تعرّضك فيه كما يستحلّ تعرّض الصّيد في غيره ، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النّهار ، فهو وعد بما أحلّ له عام الفتح . ( 2 : 559 ) النّيسابوريّ : وقوله : وَأَنْتَ حِلٌّ . . . اعتراض بين القسمين ، كأنّه تعالى عظّم مكّة من جهة أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم حلّ بها وأقام فيها . وقيل : الحلّ بمعنى الحلال ، كأنّه سبحانه عجب من اعتقاد أهل مكّة كيف يؤذون أشرف الخلق في موضع محرّم ! وقال قتادة : أَنْتَ حِلٌّ أي لست بأثيم ، وحلال لك أن تقتل بمكّة من شئت ، كما في الحديث : « ولم تحلّ لي إلّا ساعة من نهار » . فإن كانت السّورة مكّيّة أو مدنيّة قبل الفتح ، فقوله : ( حلّ ) بمعنى الاستقبال ، نحو : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ الزّمر : 30 ، وكثيرا ما تبرز الأفعال المستقبلة في القرآن في صيغ المضيّ لتحقّق الوقوع ، وإن كان حال الفتح أو بعده ، فظاهر . وعلى الأوّل يكون فيه إخبار بالغيب ، وقد يسّر اللّه له فتح مكّة كما وعد ،