مجمع البحوث الاسلامية

468

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ الرّوم : 10 ، وقال : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ التّوبة : 77 . والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة ، تدلّ الجميع على أنّ العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات - وهي العلوم المخالفة للحقّ - ما يناسبه . وقال تعالى - وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصّالح والعلم النّافع - : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فاطر : 10 ، فبيّن أنّ شأن الكلم الطّيّب وهو الاعتقاد الحقّ أن يصعد إلى اللّه تعالى ، ويقرّب صاحبه منه . وشأن العمل الصّالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد . ومن المعلوم أنّ ارتفاع العلم في صعوده إنّما هو بخلوصه من الشّكّ والرّيب ، وكمال توجّه النّفس إليه ، وعدم تقسّم القلب فيه وفي غيره ، وهو مطلق الشّرك ، فكلّما كمل خلوصه من الشّكّ والخطوات اشتدّ صعوده وارتفاعه . ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك ، فإنّها عبّرت في الكلم الطّيّب بالصّعود ، ووصف العمل بالرّفع ، والصّعود يقابل النّزول كما أنّ الرّفع يقابل الوضع ، وهما أعني الصّعود والارتفاع وصفان يتّصف بهما المتحرّك من السّفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين ، فهو صاعد بالنّظر إلى قصده العلوّ واقترابه منه ، ومرتفع من جهة انفصاله من السّفل وابتعاده منه . فالعمل يبعّد الإنسان ويفصله من الدّنيا ، والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التّعلّق بزخارفها الشّاغلة ، والتّشتّت والتّفرّق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية . وكلّما زاد الرّفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطّيّب ، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشّكوك . ومن المعلوم أيضا كما مرّ أنّ العمل الصّالح ذو مراتب ودرجات : فلكلّ درجة من العمل الصّالح رفع الكلم الطّيّب ، وتوليد العلوم والمعارف الحقّة الإلهيّة على ما يناسب حالها ، والكلام في العمل الطّالح ووضعه الإنسان ، نظير الكلام في العمل الصّالح ورفعه ، وقد مرّ بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الحمد : 6 . فظهر أنّ للنّاس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى ، مراتب مختلفة من العمل والعلم ، ولازمه أن يكون ما يتلقّاه أهل واحدة من المراتب والدّرجات ، غير ما يتلقّيه أهل المرتبة والدّرجة الأخرى الّتي فوق هذه أو تحتها ، فقد تبيّن أنّ للقرآن معاني مختلفة مترتّبة . وقد ذكر اللّه سبحانه أصنافا من عباده ، وخصّ كلّ صنف بنوع من العلم والمعرفة لا يوجد في الصّنف الآخر : كالمخلصين ، وخصّ بهم العلم بأوصاف ربّهم حقّ العلم ، قال تعالى : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الصّافّات : 159 ، 160 ، وخصّ بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم ، سيجيء بيانها إن شاء اللّه تعالى . وكالموقنين ، وخصّ بهم مشاهدة ملكوت