مجمع البحوث الاسلامية

460

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فيه بسبب شبهه لغيره ، ثمّ أطلق على كلّ ملتبس مجازا ، وإن كان ظاهر الأساس أنّ المعنيين حقيقتان فيه . ولا شكّ أنّ القرآن يصحّ أن يوصف كلّه بالمحكم وبالمتشابه من حيث هو متقن ويشبه بعضه بعضا فيما ذكر ، والتّقسيم في هذه الآية مبنيّ على استعمال كلّ من المحكم والمتشابه في معنى خاصّ ، ولذلك اختلف فيه المفسّرون على أقوال : [ ثمّ نقل عشرة أقوال ، أربعة من الفخر ، وستّة من الطّبريّ ، وأضاف : ] وقال الأستاذ الإمام في معنى المتشابهات : التّشابه إنّما يكون بين شيئين فأكثر ، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقا ، كما قال المفسّر : الجلال ووصف التّشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها ، أي إنّك إذا تأمّلت في هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللّفظ ، لا يجد الذّهن مرجّحا لبعضها على بعض . وقالوا أيضا : إنّ المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للّفظ الدّالّ عليه ونفيه عنه ، متساويان ، فقد تشابه فيه النّفي والإثبات ، أو ما دلّ فيه اللّفظ على شيء والعقل على خلافه ، فتشابهت الدّلالة ، ولم يمكن التّرجيح كالاستواء على العرش ، وكون عيسى روح اللّه وكلمته ، فهذا هو المتشابه الّذي يقابله المحكم الّذي لا ينفي العقل شيئا من ظاهر معناه . أمّا كون المحكمات هنّ أمّ الكتاب فمعناه أنهنّ أصله وعماده أو معظمه ، وهذا ظاهر لكنّه لا ينطبق إلّا على بعض الأقوال . وقال الأستاذ الإمام : إنّ معنى ذلك أنّها هي الأصل الّذي دعي النّاس إليه ، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها ، وعنها يتفرّع غيرها ، وإليها يرجع . فإن اشتبه علينا شيء نردّه إليها ، وليس المراد بالرّدّ أن نؤوّله ، بل أن نؤمن بأنّه من عند اللّه ، وأنّه لا ينافي الأصل المحكم الّذي هو أمّ الكتاب ، وأساس الدّين الّذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الّذي لا يحتمل غيره ، إلّا احتمالا مرجوحا . مثال هذه المتشابهات ، قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه : 5 ، وقوله : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح : 10 ، وقوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ النّساء : 171 . هذا رأي جمهور المفسّرين وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنّه لا متشابه في القرآن إلّا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب . ( 3 : 163 ) ابن عاشور : قد أشارت الآية : إلى أنّ آيات القرآن صنفان : محكمات وأضدادها الّتي سمّيت متشابهات ، ثمّ بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب ، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات ، ثمّ أعقب ذلك بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ . . . ، أي تأويله الّذي لا قبل لأمثالهم به ، فعلمنا أنّ المتشابهات هي الّتي لم يتّضح المقصود من معانيها ، فعلمنا أنّ صفة المحكمات ، والمتشابهات ، راجعة إلى ألفاظ الآيات . ووصف المحكمات بأنّها أمّ الكتاب ، فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل ، أو المرجع ، وهما متقاربان ، أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه ، وليس يناسب هذين المعنيين إلّا دلالة القرآن ؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد