مجمع البحوث الاسلامية
461
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والهدى ، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتّشريع والآداب والمواعظ ، وكانت أصولا لذلك : باتّضاح دلالتها ، بحيث تدلّ على معان لا تحتمل غيرها ، أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتدّ به ، وذلك كقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ الأنبياء : 23 ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ البقرة : 185 ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة : 205 ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى النّازعات : 40 ، وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها ، فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التّفريع . والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي الّتي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلّ منها هو المراد . ومعنى تشابهها : أنّها تشابهت في صحّة القصد إليها ، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض . أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة ، أو غير مناسبة لأن تكون مرادا ، فلا يتبيّن الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية في ما أرى . وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء . [ ثمّ نقل قول ابن عبّاس وابن مسعود وأضاف : ] وللجمهور مذهبان : أوّلهما : أنّ المحكم : ما اتّضحت دلالته ، والمتشابه : ما استأثر اللّه بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من « جامع العتبيّة » ، ونسبه الخفاجيّ إلى الحنفيّة ، وإليه مال الشّاطبيّ في « الموافقات » . وثانيهما : أنّ المحكم : الواضح الدّلالة ، والمتشابه : الخفيّها ، وإليه مال الفخر . فالنّصّ والظّاهر هما المحكم ، لاتّضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظّاهر يتطرّقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه ، لاشتراكهما في خفاء الدّلالة وإن كان أحدهما ، أي المؤوّل دالّا على معنى مرجوح يقابله معنى راجح ، والمجمل دالّا على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه الطّريقة إلى الشّافعيّة . قال الشّاطبيّ : فالتّشابه : حقيقيّ وإضافيّ ، فالحقيقيّ : ما لا سبيل إلى فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافيّ : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر . فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشّريعة وجد فيها ما يبيّن معناه ، والتّشابه بالمعنى الحقيقيّ قليل جدّا في الشّريعة ، وبالمعنى الإضافيّ كثير . وقد دلّت هذه الآية على أنّ من القرآن محكما ومتشابها ، ودلّت آيات أخر على أنّ القرآن كلّه محكم ، قال تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود : 1 ، وقال : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يونس : 1 ، والمراد أنّه أحكم وأتقن في بلاغته . كما دلّت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه ، قال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً الزّمر : 23 ، والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقّيّة ، وهو معنى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، فلا